عرف مدلول العدل نقاشات فلسفية كثيرة ومتنوعة عبر العصور، وتعود أولى هذه النقاشات إلى المصادر التاريخية الأولى في الفلسفة الإغريقية القديمة، ولاسيما إلى أفلاطون وأرسطو. ولعل مفهوم العدل ومعناه ومقتضياته من بين أقدم الأسئلة الفلسفية تداولا وأكثرها إثارة للاختلاف والتنازع.
فمصدر الكلمة باللغة اللاتينية (justice, jus) هو الحق أو القانون، ويعرّف قاموس أكسفورد الإنجليزي الشخص “العادل” بأنه الشخص الذي عادة “يفعل ما هو صحيح أخلاقيًا” وكذا إلى القدرة العملية على إعطاء كل ذي حق حقه[1].
وغالبا ما يحتوي العدل على مفاهيم أخلاقية أخرى، وثيقة الصلة به كالحقوق أو الحق والإنصاف[2] والمساواة..
ينظر الفلاسفة بشكل عام إلى العدل على أنه الأكثر أهمية من بين كل الفضائل في ترتيب العلاقات بين الأشخاص وإقامة مجتمع سياسي مستقر، وأيضا للحفاظ على هذا المجتمع.
فعلى سبيل المثال، العدل بالنسبة لأفلاطون يمثل الفضيلة الكاملة التي تحمي النظام العقلاني، وهذه الفضيلة هي بمثابة “صحة الروح“.[3]
كما يعتبر بحث أرسطو حول العدل نقطة الانطلاق لمعظم التعريفات الغربية له، ومع توافقه مع أفلاطون، يقر أرسطو أيضا على أن العدل بالإضافة إلى كونه هو الفضيلة بامتياز، فإنه كذلك قيمة أخلاقية لا تخص الفرد وحده ولكن تهم الإنسان في علاقاته مع الآخرين. والعدل بالنسبة لأرسطو هو احترام القوانين وامتثال المصالح الشخصية للمصلحة العامة.[4]
ولقد ميز أرسطو بين العدل التوزيعي (توزيع الثروة بين الناس في الفضاء السياسي) والعدل التعويضي[5]، فالعدل التوزيعي يعني تقسيم المنافع والأعباء بشكل عادل بين أفراد المجتمع، في حين يتطلب العدل التصحيحي أو التعويضي، في بعض الظروف، محاولة استعادة توازن أكثر إنصافا في العلاقات بين الأشخاص التي فُقِد فيها العدل.
أما بالنسبة للمفكرين المسيحيين، فلقد سعوا إلى تطوير فلسفات خاصة بهم في العصور الوسطى، فنرى مثلا كيف يستخدم أوغسطينوس[6] الفلسفة الأفلاطونية إلى حد التوفيق بينها وبين الفكر المسيحي. فقد ركز أوغسطينوس في بيانه “لاهوت العدل” على مصادر الكتاب المقدس والتقليد المسيحي، وكان دائما حريصا جدا على التعبير عن نفسه من منطلق العقيدة المسيحية، لتكييف الأفكار ولغة العصور القديمة مع متطلبات الكتاب المقدس والأرثوذكسية في عصره.[7]
ولقد تأثر أوغسطينوس كثيراً بالنصوص المسيحية إلى درجة أنه يعتبر أن الإنسان المسيحي الحقيقي لا يمكنه أن يكون إلا عادلا طبعا بعد أن يحصل على مغفرة خطاياه بالمعمودية[8].
ويمكن القول إن العقيدة المركزية لمفهوم العدل في الفكر المسيحي تسند إلى ركنين أساسيين “للاهوت الأغسطينوسي” وهما: فكرة السمو الإلهي؛ وفكرة تجسد الكلمة، ومعنى هذا أن عدل الإنسان المسيحي يكمن أساسا في الخضوع المطلق لمشيئة الله، ولا يمكن له أن يعترف أو يعيش هذا العدل إلا بفضل نعمة المسيح عيسى[9].
أما بالنسبة لتوما الإكويني[10]، فسيُطور مفهوم العدل انطلاقا من أرسطو وأوغسطينس، وسيميز بين العدل الخاص وبين هدفه الأساسي المتمثل في الملكية الخصوصية والعدل القانوني أو العدل العام، الذي يمثل الصالح العام هدفه الأول[11]. ويعتبر هذا اللاهوتي العدل القانوني أو العام من أعلى الفضائل الأخلاقية لأن هدفه -أي الصالح العام- يحتوي بطريقة ما على جميع الخصوصيات[12]، ويضيف إلى ذلك أن الصالح العام للعدل القانوني أو الكلي هو في المقابل خاضع لصالح أكبر ألا وهو الصالح الذي يأتي من الله، وهكذا يتعامل الصالح الإلهي مع تحقيق الإنسان كمخلوق إلهي، ومن ثم يربط القديس توما الصالح العام بالصالح الإلهي.
يمكن إذن القول بأن عقيدة العدل بالنسبة لتوما الإكويني لها تصور مزدوج، الأول تحقيق أخلاقي للإنسان في الحياة الدنيا (معنى السعادة) والثاني استمرار النعيم اللاهوتي في الآخرة béatitude théologale [13].
ومع بروز نواة الحداثة سيقع تغير تدريجي في مقاربة مفهوم العدل، ابتداء من الابتعاد المتتالي عن فكرة وجوب عدم التعارض ما بين القانون الإنساني والقانون الطبيعي. فظهور الإصلاح البروتستانتي، والثورة العلمية الجديدة والرغبة التدريجية في تحدي السلطة السياسية والدينية على حد سواء، ستساعد، كلا على حدا، على ظهور عقلية فلسفية غربية مختلفة بشكل لافت للنظر في القرن السابع عشر.
ومن بين المفكرين الغربيين الذين سيفتتحون هذه القطيعة الفلسفية حول مفهوم العدل الفيلسوف الإنجليزي المعروف “هوبز” (1679م)، والذي يُعد في الغالب المفكرَ السياسي المؤسس للحداثة، صاحب نظرية العقد الاجتماعي التي وضعت أسس الديمقراطية. ففي الواقع، سيُحدث هذا المفكر ثورة حقيقية فيما يتعلق بالفكرة التقليدية للحق والعدل، حيث إنه يُعرِّف الحق بأنه “حق للفرد“، وليس كما كان شائعا من قبل باعتباره معيارا سائدا للجميع. فالحق بالنسبة إليه يعتبر سلطة وحرية للفرد[14]. أما العدل (كما قسمه أرسطو بين التوزيعي والتعويضي) بالنسبة لهذا الفيلسوف لا يعتمد على المساواة بل على العقد الطوعي المقتدى به بين الطرفين[15]. ويعتبر هوبز العدل نتيجة لمفهوم العهد «covenant» وهذا راجع إلى كون الملكية كانت من أكثر الأشياء المُهددة بالانقراض في عصره ولذا كان يرى أن حق الأمن من أهم الحقوق.
وبالنسبة إلى “هيوم” (1711م) الفيلسوف والاقتصادي الإسكتلندي، يرى أن الإنسان من طبعه الانحياز الى مصالحه الخاصة، وفي نفس الوقت يعتبر أن الممتلكات التي هي تحت تصرفه محدودة، ونذرتها تلزم وضع قواعد الملكية، ولذا يرى هذا المفكر أن العدل نتاج المعاهدات البشرية، ويخدم بشكل أساسي المنفعة العامة بحمايته الملكية قبل كل شيء.[16]
أما “كانت” الفيلسوف الألماني (1804م)، يرى أن العدل فضيلة تلزم احترام حرية الآخرين واستقلالهم وكرامتهم بعدم التدخل في أعمالهم، مادام هؤلاء لا ينتهكون حقوق الآخرين. ويعتبر “كانت” العدل كل عمل يوفر للآخر حرية الاختيار ضمن قوانين كونية، فكل إنسان له حقوق قانونية أو نفس الحرية[17]، فبالنسبة إلى كانت المساواة -إذا- مبدأ مُؤسس لفكرة العدل.
وذهب “ميل” (1873م) الفيلسوف البريطاني المدافع عن الليبرالية، وخاصة مذهب الليبرالية “النّفعية”، إلى أن العدل لا بدّ أن يتأسس حسب مبدأ المنفعة الاجتماعية التي هي أعلى، بالنسبة إليه، من الحقوق الفردية الشرعية[18].
أما “كارل ماركس” (م 1883)، المؤرخ والفيلسوف الألماني، أب نظرية الثورة الاشتراكية، نقض مقولة “لكل عمل متساو أجر متساو”. وبالنسبة إليه يرى أن هذا المبدأ الاشتراكي يبقى مجردا، لأن العدل هنا لا يأخذ بعين الاعتبار عدم المساواة التي توجد بين الأشخاص عموما، ومن هنا يقترح مقولته “الكل حسب قدراته والكل حسب حاجيته”، وهي قاعدة كفيلة بفرض توازن أكبر في إقامة العدل الاجتماعي[19].
ومن ناحية أخرى، سيقوم “رولز” (2001م)، الفيلسوف الأمريكي المعاصر، بمحاولة إرساء مجتمع يكون فيه العدل مبنيا على احترام الحرية الفردية، وفي نفس الوقت، على احترام ضرورة المساواة، وسيضع “رولز” لهذا الهدف مبدأين: الأول هو أن كل إنسان له الحق القانوني في التمتع بمنظومة واسعة للحريات بالتوافق مع نظام الحريات الذي يتمتع به الجميع؛ والثاني أن عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية ممكنة، ولكن بشرط أن يستفيد منها الأكثر احتياجا، وأن تكون مبنية على تكافؤ عادل للفرص[20] .
لا شك أن مفهوم العدل سيظل يتطور ويتجدد عبر التاريخ الإنساني، وسيصبح مركبا ومرتبطا بمفاهيم هيكلية أخرى مثل الحرية والقسط والمساواة وغيرها، وفكرة العدل ستكون مهيمنة على إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789م في المجتمع الفرنسي، والذي ينصُّ، موازاة مع ضرورة العدل، على الحرية والمساواة في الحقوق لجميع الناس: “يولد الرجال ويظلون أحرارًا ومتساوون في الحقوق”، وسيقر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هذه المبادئ للبشرية جمعاء في سنة 1948[21].
لقد حاولتْ كل هذه المبادرات، وعلى قدر المستطاع، التوفيق بين العدل وكل هذه المعايير كالحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية[22]. ولكن ستظل انجازات العدل هشة ودائماً موضع جدل ونضال في التاريخ البشري. وبما أننا سنأخذ إشكالية النساء في الإسلام كنموذج في لزوم العدل، نذكر هنا أن إعلان سنة 1789م لم يأخذ بعين الاعتبار حقوق النساء الفرنسيات[23]. كان نصا حقوقيا ثوريا بالنسبة لنبذ الظلم والاستبداد السياسي، وأوجب العدل والحرية، لكنه أقصى منها النساء، لأن مفهوما العدل والمساواة لم يكونا آنذاك يستندان إلى نظريات المساواة بين الجنسين وعدم التمييز ضد المرأة، التي ازدهرت مع الظهور التدريجي لمطالب المجتمع الدولي لحقوق الإنسان (1945م) ونضال الحركات النسائية في العقود الأخيرة، التي ستجعل من المساواة بين الجنسين مبدأ كونيا منذ السبعينات.
[1] https://www.iep.utm.edu/justwest/
[2] الانصاف هو البعد المثالي للعدل أو يمكن اعتباره كروح العدل وهو مفهوم تصحيحي لحالات عدم المساواة التي تعيشها الفئات أكثر حرمانا وهشاشة .
[3] Platon، La République، Livre IV، traduction E Chambéry، Editions Les Belles Lettres، 1989، p41.
[4] Elisabeth Clément ; La Justice، Textes expliqués، sujets analysés، glossaire، Collection dirigée par Laurence Hanses-Love، Edition numérique: Pierre Hidalgo، La Gaya scienza، Avril 2011 ; p 23 ; http://www.ac-grenoble.fr/PhiloSophie/wp-content/uploads/ebooks/justice_clement.pdf.
[5] Aristote، Ethique à Nicomaque، Livre V، Editions Vrin، 1990، p 224.
[6] القديس أوغسطينوس مولود سنة 354م في الجزائر وهو كاتب و فيلسوف و من اشهر الشخصيات المؤثرة في العالم المسيحي.
[7] F-J Thonnard; Article cité in Justice de Dieu et justice humaine selon saint Augustin، in Augustinus 12 (1967) 387-402 (https://www.brepolsonline.net/doi/pdf/10.1484/J.RA.5.102391) page 2.
[8] Ibid، p140.
[9] Ibid، p141.
[10] توما الإكويني راهب دومينكاني وقديس كاثوليكي وفيلسوف لاهوتي من ألمع العلماء المسحيين الذين تأثر به العديد من الفلاسفة الحداثيين خصوصا في قضايا الأخلاق والقانون والسياسة، (1225) .
[11] La justice humaine chez Thomas d’Aquin ; thèse de doctorat de philosophie، Ecole Pratique des Hautes études، soutenue le 27 Mars 2015، Andréa Teixeira Dos Reis، file:///C:/Users/VAIO/Downloads/2015EPHE5015.pdf، p 189.
[12] المرجع السابق، الصفحة: 212
[13] المرجع السابق، الصفحة: 310 ( *béatitude théologale)
[14] http://www.ac-grenoble.fr/PhiloSophie/wp-content/uploads/ebooks/justice_clement.pdf.
ص 16.
[15] المرجع السابق، الصفحة: 81
[16] المرجع السابق الصفحة: 34
[17] المرجع السابق ص 18 11
[18] المرجع السابق ص 82
[19] المرجع السابق ص 78
[20] المرجع السابق ص 87-88
[21] http://www.un.org/ar/universal-declaration-human-rights/index.html
[22] العدالة الاجتماعية تعني النظام الاقتصادي و الاجتماعي الدي يحاول ازالة الفوارق الاقتصادية و الطبقية في المجتمع لإعادة توزيع الدخل و تكافؤ الفرص داخل دالك المجتمع.
[23] https://www.cairn.info/revue-internationale-et-strategique-2002-3-page-46.htm




I agree Denise I agree Denise prix levitra liege I do think they will be recommending Tamoxifen, and I am really scared
Get to know how your breasts look and feel foods that enhance viagra