في مقاله المنشورة في العدد الثاني من مجلة (الدين والدراسات الحضارية) الصادرة عن الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا تحت عنوان «Human Value in Islamic Thought» [[1]] (قيمة الإنسان في الفكر الإسلامي) يقدم لنا سليم ساروهان أستاذ الفلسفة الإسلامية في كلية اللاهوت بجامعة أنقرة، مقاربة فلسفية عن قيمة الإنسان من منظور الفكر الإسلامي.
يشير ساروهان في افتتاحيته التي تختصر الأفكار التي سيتناولها في هذا المقال إلى أن الحياة في هذا العالم تتأسس على القيم التي من خلالها يصل الإنسان إلى الجنة في الآخرة. وأنه على هذا الصعيد القيمي نواجه قضية حرية الاختيار، التي هي أحد المتطلبات الأساسية للحياة الإنسانية والوجود الأخلاقي. ويشير إلى أن المبادئ التي ينوي مناقشتها تستند إلى الشعور “بالوعي”، وعلى وجه التحديد الوعي بحقيقة أن كل كائن حي فريد ومهم، وإدراك أن هذا التفرد هو هبة من الله، وأن التنشئة الاجتماعية مهمة لأنها تجعل حياة الإنسان ذات معنى. وأن مقياس التفوق عند الله هو التقوى التي تضمن القيمة الحقيقية للإنسان في الدنيا والآخرة.
يلاحظ ساروهان أن التغذية والنمو والمأوى والفهم هي المساعي الأساسية التي يشترك فيها جميع البشر. وأننا نتشارك في هذا الصدد المسعى نفسه مع الكائنات الحية الأخرى في جهودها للحصول على الطعام والتكاثر والبحث عن مأوى، ويشير إلى أن الفهم هو جهد فريد للبشر. وأن الحياة التي لا تعكس مجهودا لفهمها تستنفذ معناها على المستوى المادي كالحياة النباتية والحيوانية.
يقول ساروهان أننا عندما نفحص التعبيرات عن «الحياة» في القرآن، نرى أن الحياة في هذا العالم هي خطوة تقودنا إلى وجود آخر. وأن الحياة الدنيوية تتكون من سمات معينة مؤقتة ومضللة. وأن الحياة الدائمة ستبدأ بعد هذه الحياة الدنيوية. ويستشهد في هذا السياق بآيتين من القرآن الكريم وهما:
يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39)
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)
يشير ساروهان إلى أن الكلمة العربية للعالم “الدُّنيا”، مشتقة من جذر الكلمة (دنى) التي تعني انخفض وتعني أيضًا اقترب أو أقل. وأن هكذا هو العالم اهتماماته ومتاعه الأرضي على عكس العالم الأبدي. وأن الدنيا تجسد التناقض في الأبعاد الزمانية والمكانية والأخلاقية مع الآخرة في القرآن. ويشير إلى أن الله قد أوكل هذا العالم للإنسان كخليفة له لأسباب يمكننا أن نفهمها بالكامل. وأن هناك تصريحات أدلى بها الملائكة، الذين كانوا قلقين من أن الإنسان، كخليفة على الأرض، سوف «يفسد فيها» و«يسفك الدماء» غير أن الله تعالى قال لهم في المقابل : «إني أعلم ما لا تعلمون» (البقرة: 30). ويخلص سورهان من هذا الموقف إلى أن الواجب الحقيقي للإنسان ليس هزيمة الآخرين وسفك الدماء، ولكن تحسين الحياة والحفاظ عليها. ويقول إن ما يجعل هذا العالم ذا مغزى هو تصرفات البشر. ويشير إلى أن القرآن يذكرنا بزمنية هذا العالم ويؤكد أن متعة الحياة تقوم على التنافس بين البشر في الخير.
يؤكد ساروهان على أن ثمة قيمة أخلاقية للحياة الدنيوية في الإسلام، وهي أنها مجال للإنجاز وحقل يربح الإنسان من خلاله حياته الآخرة من خلال الإمكانيات المؤقتة التي يوفرها هذا العالم. ويقول إن الفرد الذي يتأمل في الكون والطبيعة سيعرف نقاط قوته وحدوده. ويشير إلى أن الدين هو الاسم الذي يطلق على كل القواعد التي تضمن سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة. وأن الهدف الرئيسي للإسلام هو تحرير الإنسان. وأن مبادئ القرآن تسمح له بالاختيار بين الإيمان بحرية أو عدم الإيمان مع احترام معتقدات الآخرين. وأن الدين يقدم المبادئ التي تنظم العالم المرئي للإنسان مرتبطة بوعد السعادة فيما بعد الموت، إذا ما أطاع هذه المبادئ، وأنه إذا نظرنا إلى تعاليم القرآن، نجد أن الدين هو مفهوم يعبر عن علاقة الإنسان بالله، ومع غيره من البشر، وأخيراً مع الكون كله الحي وغير الحي. وفي هذا الصدد، كافح الأنبياء من أجل جذب البشر إلى طريق مستقيم مشرف، وإبقائهم بعيدًا عن العلائق الخارجية التي تحيط بهم وتحاصرهم، ومن أجل منحهم حقوقهم الأساسية.
يشير ساروهان إلى أن الوعي بالاختلاف يقود إلى إدراك حكمة الله، ويستشهد بقوله تعالى في سورة الحجرات:
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿١٣﴾
ويقول إن هذه الآية تعبر عن أن إدراك الوجود البشري بألوان وأجناس ولغات مختلفة في هذا العالم كنوع من السيرورة التي تقودنا إلى معرفة الله. فعندما يفحص الإنسان تكوين واختلافات الأجناس واللغات من حيث الجوانب الفسيولوجية والنفسية والاجتماعية، فإنه يدرك القوة الكامنة وراء هذه الاختلافات. ويشير إلى أن إدراك الاختلافات هو شكل من أشكال الوعي. وأن الاختلافات العرقية والثقافية والجغرافية للبشر هي نتيجة الإرادة الإلهية. وأن الله الخالق الأسمى قد قصد أن يصل الإنسان إلى معنى الوحدة من قلب الاختلاف، وأن إيجاد الوحدة داخل الاختلاف من أهم شروط وجود المجتمعات من الناحية الاجتماعية. وأن طبيعة واستمرارية الأشياء تستند على وجود الاختلاف والتنوع. وأن المجتمعات لن تتمكن من أداء وظائفها وتلبية احتياجاتها دون وجود تباينات واختلافات.
وأنه وفقًا للقرآن، فإن الشرط الأساسي الذي يجعل الإنسان ذا قيمة في هذا العالم هو أفعاله. حيث تقدر قيمة الإنسان في هذا السياق على أساس عمله وإنتاجه، وليس على أساس لون البشرة أو البيئة. فلا أحد يملك فرصة اختيار البيئة التي ولد فيها، وأن مقياس القيمة عند الله هو التقوى
ويشير ساروهان إلى أنه هناك بعض الأسئلة التي يجب طرحها وفهمها والتأمل فيها في ضوء هذه الآية أعلاه (الحجرات 13):
– ما هي التقوى؟
– ما هو التفوق (أكرمكم)
– ما الحكمة والسبب في استخدام كلمة أكرم وما هو الفرق الدلالي بين أكرم وأفضل؟
في سياق محاولة الإجابة، يقول ساروهان أنه بإمكاننا إدراك التفوق المادي والسلطة بحواسنا الخمس. ولكن إدراك التقوى ليس وعيًا حسيًا، بل فهمًا عقليًا. وأنه عندما نصنف اليوم الدول في العالم، فإننا نفعل ذلك بنفس المعايير المادية: البلدان المتقدمة والنامية والمتخلفة. وبينما نتبنى نحن اليوم في هذا العالم معيار التفوق المادي، فإن معيار التفوق في نظر الله هو التقوى.
يشير ساروهان إلى أن نظام العالم الحديث يتسبب في جعل الأجيال الجديدة أقل سعادة لأن مركز حياتها لم يعد يدور حول «السلام والوحدة». ويقول إن تحسين الحياة على الأرض هو واجب كل البشر المفكرين. وأن التقوى هي أعلى وعي بالواجب والمسؤولية. وأن البشر الذين لم ينخدعوا بخداع الزمن سوف يلتزمون بالقيم الدائمة بدلاً من السعي وراء القيم المؤقتة. وأن معرفة الإنسان وإيمانه ينبغي أن تنعكس في أفعاله، ويقول إنه يجب على الإنسان أن يفي بأوامر الله وأن يظهر الرحمة لجميع المخلوقات. وأن أساسيات الإيمان تطهر النفس البشرية وتحول الإنسان إلى كائن يشعر دائمًا أن الله بجانبه.
كما يشير ختامًا إلى أن القرآن ينص على أن إحدى المشاكل الأساسية للإنسان هي عدم القدرة على رؤية أخطاء الأسلاف والأجيال السابقة. وأن الدفاع عن ظلم أجدادنا الذين يربطنا بهم نفس النسب، وعدم القدرة على إظهار موقف أخلاقي مستقل عنهم، يسجننا في ظلام دامس، ويصرفنا عن الصراط السوي للعدالة المستقر في الضمير والمنصوص عليه في القرآن. وأنه أخيرًا وباختصار، يمكن فهم تأكيد الإسلام على حماية الأجيال من منظورين:
أولاً وقبل كل شيء، يسعى الإسلام إلى ضمان الحفاظ على أجيال من جميع الكائنات الحية من حيث الاعتبارات البيئية والبيولوجية.
ثانيًا، لا يهدف الإسلام إلى ضمان الاستمرارية البيولوجية للجنس البشري فحسب، ولكن يهدف كذلك إلى تقديم ضمانات للطابع الأخلاقي والديني والقانوني للأجيال القادمة.
[1] Human Value in Islamic Thought, iium journal of religion and civilisational studies
https://journals.iium.edu.my/irkh/index.php/ijrcs/article/view/161/58




جميل