عندما تبادر إلى التساؤل: ما الغرب؟ كما طرحه المفكر والكاتب الفرنسي روجيه ــ بول دروا Roger-Pol Droit ستقف أمام عتبات الجغرافيا ابتداء ثم على أسوار التاريخ، لتلج بعدها بستان المعرفة والثقافة وتنتهي في أحضان الحضارة.
لم يعد الغرب مجرد حلم في متخيل الإنسان من خارج الفضاء الغربي، أو حتى من داخله، بقدر ما أصبح حلما واقعا أو واقعا يحلم بتحقيقه كل من جال بخاطره أن الغرب هو الألدورادو Eldorado والفار واست Far west، الغرب هو الحياة (وإن كانت على قوارب الموت) بجودتها، والسعادة بتجسدها عبر تحقيق وإثبات الذات والكمال الخاص وفق ما تتيحه فرص التعليم والعمل والترقي والازدهار الشخصي.
الغرب وإن كان في البداية اتجاها تماما مثل الشرق أو الجنوب والشمال. إلا أنه تخطى هذا البعد المحدد للمكان وجغرافيته لمن يسأل ويريد التحرك باتجاهه. حتى وإن كان يشير إلى وجهة محددة فإنه لا يعرف من دون وجهات أخرى صارت جزءا من تعريفه ومن ماهيته. والأشياء تعرف بأضدادها. لكن حينما يتزّي الشرق بزي الغرب هل يبقى شرقا؟
لم يعد الغرب عبر التاريخ البشري مجرد نقطة فضائية بقدر ما أضحى قيما مادية ومعنوية وحقوقا للإنسان ومنظومة متكاملة من السياسة والثقافة والفلسفة والآداب والعلم والتقنية والصحة والتعليم. باختصار صار نموذجا حضاريا حتى وإن لم يكن هو النموذج النهائي بعد أن طالته الانتقادات من الداخل (انهيار الحضارة الغربية، اشبنغلرSpengler).
الغرب أيضا هو المؤسس للدراسات الاستشراقية التي كانت حركة لا تقل في خطورتها عن الاستعمار الذي أفرزها وأصبحت أداة طيعة بين يديه. في مقابل ذلك جرت محاولة في الاتجاه المعاكس حتى قبل أن تأخذ التسمية الفعلية لها أي الاستغراب.
الغرب لم يكتف بأن طور حضارة حديثة منطلقها الإنسان ومنتهاها الإنسان، استعانت بالعلوم والتكنولوجيا لتطوع الطبيعة لصالحه ووضعت من الشروط والسياسات ما يمكن الإنسان من تحقيق رفاهيته وسعادته.
بالمقابل لهذا الغرب كذلك هناك غرب آخر هو من أسس لتجارة الرقيق وفرض أنظمة تمييز عنصري، وقاد حملات استعمارية احتل من خلالها كل أصقاع العالم تقريبا، وكل ذلك تحت إرادة القوة وصدمة العنف وتحت شعارات وهمية وكاذبة لتحضير الشعوب وتقدمها.
الغرب بمثل ما هو باعث الحريات والحقوق والديمقراطية والعدالة ومؤسساتها فهو كذلك عابث، بمكر وخبث، بما سنّه من القوانين التي اعتبرها كونية وعمد إلى تطبيقها وكيلها بمكيالين. قوانين ونواميس لإنسان الغرب وأخرى لما تبقى من إنسانية مغلوبة من طرف هذا الغرب ذاته.
الغرب في صورته النهائية توهم أنه بلغ سقف السياسة والتاريخ والاقتصاد فجهز بالمعارف والتقنيات أدواته وشبكاته لفرض العولمة والليبرالية واقتصاد السوق والمجتمع الاستهلاكي نموذجا.
كثيرة هي الانتقادات التي طالت تجليات الغرب وبشرت بنهايته. فهل نحن فعلا أمام انهيار وشيك للغرب؟ أم أننا إزاء تحولات له؟ يدرك معها منظرو الغرب وصناع القرار فيه أنهم ملزمون بالتأقلم وبتصحيح المثالب والأخطاء التي اعترضت مسيرة الغرب الحالم بسيادة الإنسان على الطبيعة والكون دون إفراط.



