تتعلَّق هذه القضايا الموجزة بالفلسفة السياسيَّة عند علمٍ من أعلام الفلسفة العربيَّة الوسيطة يحظى فيها بمنزلة مرموقة هي منزلة “المؤسِّس”، ويحظى بالنَّظر إلى التاريخ الكونيّ للفلسفة بمقامٍ رفيع هو مقام “المعلِّم الثاني”. وهذا ما يجعل “اللّحظة الفارابيَّة” لحظة حاسمة في مجرى التَّشكُّل الفلسفيِّ للعقل السِّياسيّ عند العرب. وذلك من جهة الإشكاليَّة العامَّة الموجِّهة للبحث في “المدينة”، ومن جهة القرارات الكبرى الّتي جعلت “عِلْمًا مدنيًّا” أمرًا ممكنًا في فضاء “الملَّة”، ومن جهة المفاهيم الأساسيَّة الّتي تخلَّقت من مادَّتها النَّظريَّةُ السِّياسيَّةُ عند العرب مثل مفهوم “التَّدبير” و”التَّعقُّل” و”صناعة الملك” و”المهنة الملكيَّة” و”الفضيلة” و”السَّعادة” و”الرَّأي” و”المشترك” …
ولئن تجلَّت النظريَّةُ السياسيَّة الفارابيَّة في مؤلَّفات أساسيَّة هي من أهمّ ما اشتمل عليه المتن الفارابيُّ، ألا وهي: كتاب الملَّة وكتابُ السِّياسة المدنيَّة وكتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، فإنَّ البحث في تلك النَّظريَّة لا ينبغي له أن يكون مجرّدَ دراسةٍ تحليليَّة لتلك المؤلَّفات، وإنَّما حقيقٌ به أن يكون أيضا استنطاقًا للأسس المعرفيَّة والمقاصد العمليَّة الّتي شكَّلت الإشكاليَّة السِّياسيَّة عند الفارابي. وهذا الاستنطاق الفلسفيّ يقتضي قراءة المتن الفارابي على ضوء الملَّة والسِّياسة المدنيَّة وآراء أهل المدينة الفاضلة من ناحية أولى، كما يقتضي من ناحية ثانية تعميق النَّظر في هذه المؤلَّفات على ضوء ما عرضه الفارابي من تصوّرات في مجمل كتبه الأخرى مثل إحصاء العلوم وتحصيل السعادة والحروف وفصول منتزعة ومجمل النّصوص المنتسبة إلى مباحث المنطق أيضًا…
وإنَّ الاستشكالَ الفلسفيَّ للحظةِ التَّأسيس النَّظريّ للسّياسة عند العرب يتطلَّب الكشفَ عن خطوط التمايز الّتي عمِل الفارابي على رسمها في علاقته بأفلاطون وأرسطو، وفي علاقته بما تشكَّل داخل “علم الكلام” من جدلٍ حول العقل والوحي والنبوَّة والفلسفة والإلهيَّات والسِّياسة. كما يتطلَّب أيضًا تتبُّع أصداء هذا التَّأسيس الفارابيّ للسِّياسة المدنيَّة كما عبَّر عنها أعلام الفلسفة العربيَّة من بعده مثل ابن سينا وابن باجة وابن رشد مثلا، وذلك بالحضور أو بالغياب، بالاستعمال أو بالإهمال.
أمَّا الإشكاليَّة الأساسيَّة للفلسفة السياسيَّة الفارابيَّة فيمكن صياغتها على هذا النَّحو: بأيِّ معنى يقتضي وجود المدينة ملَّةً مَّا؟ وعلى أيِّ نحوٍ تكون الملَّةُ هي التَّوسُّط الضَّروريُّ الّذي يجعلُ التَّأسيسَ الفلسفيَّ للتَّدبير والتَّعقُّل المدنييْن أمرًا ممكنًا ومشروعًا؟ وأيُّ دورٍ للميتافيزيقا في معماريَّة العقل وعمارة المدينة من حيث الصِّلةُ المعقودة نظريًّا وعمليًّا بين “الحقّ” و”السعادة” من جهةٍ، و”مثالات الحقّ” و”الفضيلة المدنيَّة” من جهةٍ أخرى؟
يمكن معالجة هذه الإشكاليَّة في مستوياتها المختلفة باعتماد مداخلَ أوَّليَّة توجيهيَّة نصوغها في شكل قضايا موجزة، هي:
القضيَّة الأولى:
صاغ الفارابي مفهومًا للملَّة لا يمكن اختزاله في مفهوم الدِّين وذلك لأنَّه ينفتح على قضايا متشعِّبة شديدة الصَّلة بما نسمِّيه اليوم بـ “الإيديولوجيا” وبـ “الأنظمة الثقافيَّة” وبـ “عالم الإنشاء الرَّمزي”… وهذا ما جعل الفلسفة السياسيَّة عند الفارابي تنزاح من صرامة العقل واليقين البرهانيِّ المؤسِّس للعلوم النَّظريَّة إلى انفتاح “الـتعقُّليَّة” و”التَّخيِيل” وبلاغة المجاز (التَّمثيل والتّناسب) المؤسِّس للتَّدبير المدنيّ. وهذا الانزياح هو الّذي جعل الارتقاء بمنزلة “ذوي الألسنة من شعراء وكتَّاب وموسيقيِّين… ومن يجري مجراهم” أمرًا ممكنا عند الفارابي ضدّ الموقف الأفلاطوني الّذي يرفع طبقة المحاربين إلى مقامٍ متقدِّم في حياة المدينة المثاليَّة بما هي مدينة العقل النَّظريّ المالك للحقيقة المطلقة.
القضيَّة الثانية:
إنَّ ما يملكه أهل المدينة ليس هو “الحقائق”، وإنَّما هو “الآراء”. كما أنَّ موضع الامتلاك ليس هو “الخاصِّيِّ” أو “الجوَّاني”، وإنّما هو “العموميّ” “المشترك” “البرَّانيّ” بحسب عبارات الفارابي في كتاب تحصيل السعادة. وهذا المشترك العموميّ لا يمكن أن يتأسّس على ميتافيزيقا الجوهر الإغريقيَّة، وإنَّما على ميتافيزيقا التَّماثل بما هي ميتافيزيقا “أوضاعيَّة” أو “تواضعيَّة” تُخرج “الحقيقة” (الحقّ) من مجال الجدل السياسيّ لصالح “الرَّأي” (مثالات الحقّ) بما هو موضوع “تدبير مدنيّ مشترك”.
القضيَّة الثالثة:
هذا التَّأسيس الفلسفيّ للمدينة لم يقتصر عند الفارابي على مجال “الملَّة” وإنَّما شمل أيضا مجالا أرحب وأرقى هو مجال “المعمورة”. فالإنسانيَّة الفاضلة ممكنة عند الفارابي على نحوٍ معموريّ (كوسموسياسيّ). وهذا الإمكان مشروط بالكشف الدَّقيق عن المشتركات الكونيَّة الّتي تتجاوز “الفقه الملِّيِّ” إلى “التَّعقُّل الإنسانيّ” وتتجاوز “الكلام الملِّيّ” إلى “الفلسفة الكونيَّة” كما عبَّر عن ذلك الفارابي في كتاب الحروف. والتَّعقُّل الكوسموسياسيّ والفلسفة الكونيَّة يفترضان وجود “انفعالٍ” و”تخيِيلٍ” ميتا- ثقافيّ حاول الفارابي الكشف عن بعض أوجهه في العديد من نصوصه الملهمة. ويمكن أن يمرَّ الحجاجُ لصالح هذه القضايا والدِّفاع عن مشروعيَّتها داخل المتن الفارابي بمسارٍ ينطلق من استشكال الوضعيَّة السِّياسيَّة لمدينة الأحرار (الدِّيمقراطيَّة) ويصل في ختامه إلى عرض صورةٍ واضحةٍ “للمدينة الفاضلة” و”المعمورة الفاضلة” كما رسمها الفارابي في مختلف نصوصه السياسيَّة. وقد عملنا على هذا المشروع في كتابٍ نشرناه سنة 2018 تحت عنوان سياسة الحقيقة في فلسفة الفارابي. ونعمل الآن على استكمال النَّظر فيه في كتابٍ نعدُّه للنَّشر تحت عنوان نظريَّة المشترك في فلسفة الفارابيالسياسيَّة.



