استشهد رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو مؤخرًا بالإغريق القدماء، وتحدث في خطاب له عن “إسبرطة العظمى” وضرورة مواجهة العزلة السياسية المتزايدة بسبب العداء الأوروبي المتزايد، وبسبب تأثير الأقليات المسلمة المتشددة على السياسة الخارجية الأوروبية على حد زعمه، وذلك بالاستعداد لواقعٍ اقتصاديٍّ واستراتيجيٍّ جديد، وبتبني اقتصاد “ذي سمات أوتاركية”. والأوتاركية هي: أيديولوجيا سياسية تقوم على مبادئ الفردانية القصوى والاعتماد على الذات. وفي المجال الاقتصادي ترتبط الأوتاركية بفكرة الاكتفاء الذاتي الذي يقوم على إنتاج الدولة أو المجتمع لجميع احتياجاته دون الاعتماد على الاستيراد أو الدعم الخارجي، والأوتاركية أيضًا لها أبعاد أكبر من الجانب الاقتصادي، حيث تشمل كذلك الجوانب السياسية والاجتماعية.
في مقاله المنشور حديثًا في مجلة فورين بوليسي الأمريكية تحت عنوان “‘Super-Sparta’ Is Bad History and Bad Strategy” (“إسبرطة العظمى” تاريخٌ فاسد واستراتيجيةٌ فاشلة) [[1]] يقول المؤرخ إيراد مالكين إن هذا التشبيه بإسبرطة مُغرٍ لكنه في نفس الوقت بالغ الخطورة. حيث تعكس فكرة “إسبرطة العظمى” قراءة خاطئة للتاريخ وتوقعًا مُقلقًا لمستقبل إسرائيل على حد تعبيره. فهذا التشبيه ليس تشبيها يوحي بالقوة، بقدر ما هو تشبيه يعكس انعدام الأمن. وإذا أُخذ على محمل الجد، فإنه يُخاطر بتوجيه إسرائيل نحو نفس المصير الذي لاقته إسبرطة الأصلية: تآكل الدولة والمجتمع، وفي النهاية، الهزيمة العسكرية.
ولطالما كانت إسبرطة وأثينا نموذجين مثاليين في العصور القديمة. فبينما مثّلت أثينا الانفتاح، والتجارة، والفضول الفكري، والديمقراطية. مثّلت إسبرطة جنون العظمة والعسكرة، حيث المجتمع الصارم الذي تحكمه نخبة محاربة، مُجنّدة دائمًا للمعارك والقتال، وتخشى هذه النخبة أفراد الأمة الذين يتألف غالبيتهم من الأرقاء الذين كانوا يعملون في الأراضي الزراعية لتوفير الغذاء. ويُعتقد أن الأرقاء فاقوا المواطنين الأحرار بأضعاف كبيرة، وتقول بعض المصادر القديمة إنهم ربما كانوا سبعة أضعاف عدد الإسبرطيين؛ وبسبب كثرتهم وخوف الإسبرطيين من ثوراتهم (وقد حدثت فعلًا عدة مرات)، كان هناك نظام دائم من الرقابة والقمع ضدهم، مثل الدوريات الليلية التي كان يقوم بها الشباب الإسبرطيون ويقتلون فيها بعضهم لبث الرعب ومنع التمرد.
وسواء كان نتنياهو يعلم ذلك أم لا، فإن فكرة القرابة بين اليهود والإسبرطيين كانت قد ظهرت بالفعل في العصور القديمة، وتحديدًا منذ القرن الثاني قبل الميلاد، عندما دأبت القوى المتوسطية على اختلاق روابط القرابة فيما بينها، وقد ظهرت أصداء هذه الصلة بحسب سفر المكابيين الأول، حينما وجّه الملك أريوس ملك إسبرطة رسالةً إلى رئيس الكهنة في القدس:
“من أريوس: ملك إسبرطة، إلى رئيس الكهنة أونيا. تحياتي! لقد اكتُشف في سجلٍّ مكتوب أن الإسبرطيين واليهود أقارب، وكلاهما من نسل إبراهيم.”
وقد كان هذا الادعاء افتراءً سياسيًا على الأرجح بحسب الكاتب. ومع ذلك، فإنه يعكس تصورًا لمصيرين متوازيين لأمتين صغيرتين تُبرّران مكانتهما في العالم.
وقد بُني تشبيه “إسبرطة العظمى” على شعورٍ راسخٍ بانعدام الأمن، وهو غير مناسبٍ تمامًا كنموذجٍ استراتيجيٍّ للقرن الحادي والعشرين. حيث لم تستطع إسبرطة الحفاظ على الاكتفاء الذاتي إلا لأنها كانت تعتمد على اقتصادٍ زراعيٍّ ثريٍّ يعتمد على العبيد.
وحتى تلك الصورة عن العزلة التامة لإسبرطة عن العالم الخارجي تبقى مضللة، ففي الواقع، كان الاكتفاء الذاتي الإسبرطي مجرد خرافة، ولم تنعزل إسبرطة قط عن العالم الأوسع، بل سعت إلى الاستعمار، وحافظت على التجارة الخارجية، واعتمدت على الشبكات التجارية لمجتمعاتها التابعة لها، أو “السكان المحيطين” بأراضيها.
ويُصوّر نتنياهو إسرائيل اليوم، بأنها مثل إسبرطة، دولة محاصرة محاطة بالأعداء ومُجبرة على الدفاع الدائم. وهذا يُسيئ فهم كلا المثالين. فلم تكن إسبرطة قط الضحية المحاصرة حقًا. فقد كانت في الماضي قوة إقليمية مهيمنة تسعى للهيمنة خارج حدودها. وبالمثل- وعلى عكس الأيام الأولى عندما كانت إسرائيل محاصرة بالفعل- فها هي الآن تبرز قوتها في جميع أنحاء الشرق الأوسط. ولم يتجلى هذا في أي مكان أكثر من غزة، حيث تسببت الحملات العسكرية الإسرائيلية في دمار غير مسبوق ومعاناة مدنية واسعة.
علاوة على ذلك، تعتمد “المعجزة الاقتصادية الإسرائيلية” على حد تعبير الكاتب على الاندماج في الأسواق العالمية – التكنولوجيا المتقدمة، والأدوية، وصادرات الطاقة، وتدفقات رأس المال الاستثماري. والقول اليوم بأن إسرائيل تستطيع – أو ينبغي لها – أن تتراجع إلى الاكتفاء الذاتي هو تقويضٌ لأسس ازدهارها. حتى صناعاتها الدفاعية، التي يدافع عنها نتنياهو باعتبارها العمود الفقري للاكتفاء الذاتي الوطني، تعتمد على شراكات دولية وسلاسل توريد عالمية وأسواق تصدير. ولا يمكن لأي دولة صغيرة، مهما بلغت عسكرتها، أن تزدهر بانعزالها عن العالم.
قبل الختام يقول الكاتب إن نموذج إسبرطة في نهاية المطاف كان غير قابل للاستمرار. فقد حققت العسكرة الجامدة هيمنةً قصيرة الأمد، لكنها ضمنت تراجعًا طويل الأمد. ففي العصر القديم، أنتجت إسبرطة الفن والشعر والموسيقى. ولكن بحلول العصر الكلاسيكي، وفي القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد خصوصا اختفت هذه التعبيرات الثقافية في معظمها. وأدى التركيز المُفرط على السيطرة الداخلية والغزو الخارجي إلى استنزاف موارد المدينة وتآكل سكانها بشكل مطرد. وما بدأ باعتباره أسلوب حياة عسكري كان من المفترض أن يضمن ازدهار المدينة، أصبح تدريجيًا غايةً في حد ذاته، تاركًا مجالًا ضيقًا لأي شيء آخر.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2025/09/23/sparta-israel-history-netanyahu/




I enjoyed this blog post.
It was helpful. Keep on posting!
Departement of historia
Departamento de History
https://www.univ-msila.dz/site/shs-ar/
https://www.univ-msila.dz/site/shs/
Awesome post! Join the fun at https://www.univ-msila.dz/site/shs/…..
Departement of historia
Departamento de History
https://www.univ-msila.dz/site/shs-ar/
https://www.univ-msila.dz/site/shs/
I enjoyed this blog post.
It was helpful. Keep on posting!
Departement of historia
Departamento de History
https://www.univ-msila.dz/site/shs-ar/
https://www.univ-msila.dz/site/shs/