في مقاله المنشور حديثًا في مجلة فورين بوليسي الأمريكية تحت عنوان “Why Trump Keeps Betraying His Base” (لماذا يواصل ترامب خيانة قاعدته الانتخابية؟) [[1]] يشير ستيفن والت عالم السياسة الخارجية وكاتب العمود في المجلة إلى أن اللحظة الراهنة التي تعيشها الولايات المتحدة باتت لحظة غريبة بالنسبة لإدارة ترامب، ولاسيما أنصارها من حركة “ماغا” (لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا)، مؤكدا في بداية حديثه أنه لا يتحدث هنا عن فضيحة جيفري إبستين، التي دفعت بعض أعضاء هذه الجماعة السياسية غريبة الأطوار- على الأقل- إلى التشكيك في ولائهم المفرط لزعيمٍهم ذي العيوب العميقة. بل يتحدث عن التحولات الأخيرة في سياسة ترامب الخارجية، والتي تُمثل انحرافًا واضحًا عن مواقفه السابقة.
فعوضًا عن إبرام صفقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وإنهاء الحرب في أوكرانيا “خلال 24 ساعة”، كما وعد ترامب خلال حملة 2024، أو وقف جميع المساعدات الأمريكية لأوكرانيا بشكل دائم، ها هو ترامب الآن يعد بإرسال المزيد من المساعدات العسكرية إلى كييف، بل إنه شجّع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على توجيه ضربة مباشرة إلى موسكو، وعوضًا أيضًا عن الانسحاب من أوروبا والتوجه نحو آسيا، أعرب ترامب عن عاطفة جديدة تحركت لديه فجأة تجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو). ترامب كذلك لم يترك التورط في نزاعات الشرق الأوسط؛ فهو يسمح لإسرائيل بفعل ما تشاء (كما فعل جميع أسلافه)، وقد شنّ في الشهر الماضي حربًا على إيران بناءً على طلب من إسرائيل، وأمر القوات الأمريكية بقصف إيران في محاولة فاشلة للقضاء على برنامجها النووي.
ويتساءل والت كيف يُمكننا تفسير هذه التحولات؟ ويجيب بأنه يمكن التفكير في ثلاثة تفسيرات محتملة على الأقل.
أول التفسيرات هو أن “المؤسسة” تهزمه مجددًا، فعلى الرغم من جهود ترامب لإخضاعها، أحبطت مؤسسة السياسة الخارجية مُعظم جهود ترامب خلال ولايته الأولى لأنه لم يفهم آليات عمل الحكومة الأمريكية، ولم تكن لديه استراتيجية واضحة للتغلب على المؤسسة، ولا كادرٌ من المسؤولين المخلصين الذين سيُطبّقون رؤيته بأمانة. لذا- وباستثناء السياسة التجارية- لم يتغير جوهر السياسة الخارجية الأمريكية كثيرًا خلال ولاية ترامب الأولى. وكما جرت العادة، ألقى ترامب باللوم في إخفاقاته العديدة على ما يُسمى “الدولة العميقة”، وتعهد بتحسين أدائه إذا أتيحت له فرصة أخرى.
إلا أن ترامب هذه المرة، حاول التغلب على “المؤسسة” بتعيين أشخاص موالين له، مثل وزير الدفاع بيت هيغسيث، أو انتهازيين يسهل التلاعب بهم، مثل وزير الخارجية ماركو روبيو أو مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد، في مناصب وزارية رئيسية أو مناصب مؤثرة أخرى، لكن وضع أتباع مطيعين على رأس الإدارات الرئيسية لم يُفلح كما كان يأمل، فترامب أولًا هو مدير سيء، وعاجز عن إعطاء مرؤوسيه تعليمات واضحة ومتماسكة ومتسقة ليتبعوها.
ثانيًا-وكما كان يخشى الكثيرون-، فإن الأشخاص الذي عينهم مثل هيغسيث إداريون غير مؤهلين وغير أكفاء، ويرتكبون أخطاء عدة مرارًا وتكرارًا.
وخلاصة القول هي أن مواجهة “المؤسسة” تتطلب من الرئيس تعيين العديد من الأشخاص الأذكياء وذوي الخبرة والمعرفة في مناصب رئيسية، والعمل معهم لوضع استراتيجية متماسكة تعكس مبادئ مختلفة. وقد سنحت للرئيس الآن فرصتان لتحقيق هذا الهدف، ولكنه أضاعهما.
إلا أن ثمة تفسيرا ثانيا مختلفا، وهو أن ترامب يتكيف مع الواقع ببساطة. فقد اكتشف أن صداقته المزعومة مع بوتين لم تمنحه نفوذًا كبيرًا على الزعيم الروسي، وأن بوتين لم يكن على وشك إنهاء الحرب لمجرد أن ترامب أراد ذلك. فقد لا يتفق ترامب مع الرئيس السابق جو بايدن في اعتباره بوتين زعيمًا شريرًا تجب هزيمته هزيمةً حاسمة، لكنه يُدرك الآن أن الرئيس الروسي لن يُفاوض بجدية طالما أنه واثق من النصر في نهاية المطاف، مما دفعه إلى الاقتراب من نهج بايدن.
ويمكن للمرء في ضوء هذا التفسير الثاني أن يروي سردية مماثلة عن سلوكه في الشرق الأوسط. فترامب -مثل سلفه: بايدن-لم يكن ليمارس أي ضغط جدي على إسرائيل، ولهذا السبب تستمر حرب الإبادة الجماعية ضد غزة بدعم أمريكي نشط. فلم تكن إيران لتوافق أبدًا على مطلب ترامب وروبيو بالتخلي عن كامل قدرتها على تخصيب اليورانيوم. ومع تجميد الدبلوماسية، تمكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من إقناع ترامب بأن الغارات الجوية يمكن أن تقضي على البرنامج النووي الإيراني نهائيًا وترسّخ الهيمنة الإقليمية لإسرائيل. مع ذلك، لم تحقق الحرب هذه الأهداف، ولا تزال إسرائيل أصغر من أن تُرسي هيمنة إقليمية حقيقية في المنطقة.
ويقول والت إنه يود أن يصدق أن هذا التفسير صحيح، وأن ترامب يحاول التكيف مع الظروف المتغيرة، لكن مساعدة إسرائيل على قتل المزيد من سكان غزة والسماح لها بقصف الحوثيين ولبنان وسوريا متى شاءت لن يزيد من أمن الولايات المتحدة أو إسرائيل، ومن المرجح أن يُقنع قصف إيران قادتها بالمسارعة إلى امتلاك القنبلة النووية بدلًا من اختيارها البقاء مجرد دولة ذات قدرات نووية كامنة. وكذلك فإن إرسال المزيد من أنظمة صواريخ باتريوت أو غيرها من الأسلحة إلى أوكرانيا لن يُغير الوضع في ساحة المعركة أو من حسابات بوتين السياسية.
وهذا يتركنا للتفسير الثالث والأخير بحسب الكاتب، ألا وهو أن التحولات الأخيرة في سياسة ترامب الخارجية تتعلق في الغالب بشخصيته المغرورة والنرجسية. فهو يرسل المزيد من الأسلحة إلى أوكرانيا ليس لأن لديه التزاما جديدا باستقلال ذلك البلد، ولكن لأن بوتين قد أساء إليه. وقد قرر أن حلف الناتو على ما يرام بعد أن أغدق عليه الأمين العام للحلف، إطراءً يليق برجل حاشية في البلاط الملكي بأحد قصور الحكم في العصور الوسطى. وقد اندفع ترامب كذلك إلى حربٍ عبثية في الشرق الأوسط لأن تفجير الأمور هناك يجعله وكأنه شخص مسيطر، بغض النظر عن النتائج.
ويرى بعض المراقبين، أن افتقار ترامب إلى رؤية عالمية متسقة أو متماسكة، وانشغاله المُستمر بصورته الشخصية خيار أفضل بالنسبة له من تبني انحيازات التطرف العقائدي الشائع بين أنصاره في حركة “ماغا”؛ لأن افتقاره إلى أي قناعات سياسية حقيقية أو تفضيلات سياسية راسخة، يُسهّل عليه تغيير مساره حسب الحاجة.
في ختام مقاله يقول والت إنه ليس متأكدًا تمامًا من أن ترامب يستطيع فصل مصلحته الشخصية عن المصلحة الوطنية، وأنه بات معروفًا بضعفه أمام التملق والمجاملات؛ لذا فإن السياسة الخارجية الأمريكية في عهده أثبتت أنها أكثر تقلبًا وتناقضًا داخليًا ونتائج عكسية من أي وقت مضى. وقد كان بإمكان واشنطن أن تنجو من هذا عندما كانت القوة العظمى الوحيدة، لكن الظروف العالمية اليوم أصعب بكثير في عصر تواجه فيه الولايات المتحدة أقوى منافس لها في تاريخها كقوة عظمى.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2025/07/21/trump-betray-base-foreign-policy-epstein-putin-ukraine-iran-syria-war/



