رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، محمود محمد شاكر، 182 صفحة.[1]
في عام 2001 وكنت أسكن في ولاية ميشيجان زارنا الشيخ الجليل صالح الحصيّن، وقد رأيت فيه قدوة عجيبة لكل من فكر وسلك، فعقله أجل من أقول عنه جليل، وهو يعيد تركيب عقلك مرة أخرى، وما ندمت على شيء في شبابي ندمي أن لم أكن عرفته مبكرا، لعظيم ما استفدت منه في أسبوعين هي زمن زيارته، أو أقل، وقد كتبت عنه سلسلة مقالات بعد وفاته، ومقالا آخر لم أنشره آملا أن أنشر ذلك في كتاب جامع لتلك المقالات.
أطلت المقدمة فاعذروني، حينها سألته عن رأيه في مدرسة الشيخ الأديب محمود شاكر، المحقق الشهير، الذي أسس مدرسة فكرية أدبية تجتاح أفكارها عالمنا، فأثنى ثم أشار إلى أن عنده وعند مدرسته شيء من التطرف، ولا أضبط عبارته ولكني متأكد من إطلاق وصف التطرف.
وكنت وقتها قد قرأت كتابيه: المتنبي وكتاب: أباطيل وأسمار، وتحقيقه المعجب ل: طبقات فحول الشعراء وغيرها للشيخ محمود، وكان عندي من أهم إن لم يكن أهم من عرفت ثقافيا، ثم عدت وسكنت في قطر، فقدمت كتيّبه: رسالة في الطريق إلى ثقافتنا في حلقة خاصة لبرنامج: أسمار وأفكار، ثم في أول أيام رمضان هذا 1446ه أعدت قراءة تلك الرسالة للمرة الثالثة، ذلك لأني كنت أبحث عن موضوع محدد يتعلق بالاستشراق والهوية وقد بدأت الكتابة منذ أكثر من عام في هذا الموضوع، وفي القراءة الأخيرة صدمني الكتاب بمحتوياته الجليلة وتحليلاته المبتكرة، وكأني أقرأ الكتاب للمرة الأولى.
وبما أنه يصعب عليّ تلخيص كتاب مثله لأنه خلاصة، فلا أجرؤ على التصدي لهذا الدور، ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه. ولهذا فإني أكتفي بالقول إنه كتاب يجب أن تقرأه مرة وأخرى وثالثة، إن كنت في مستوى قدرتي وإن كنت أحسن فقد تكفيك مرة واحدة أو ثانية، أو أكثر، لأنه يعطيك أكثر مما تتوقع، وكم يشوقني الكتاب الذي يعطيني أكثر مما أتوقع منه، إنه كتاب يعيد تعريف وشرح التاريخ الحديث، وتاريخ الأدب وكثيرا من تاريخ الحروب والسلم، ويهمس بل يصرح لك كثيرا عن الاستشراق وعن دور المستشرقين. إنه جوهرة في الفكر والأدب، وسواء اتفقت معه أو خالفته، فإنك تحتاج لثقافة واسعة لترد عليه. ولهذا قلت تجب قراءته، ويكفي رسالة في الطريق إلى ثقافتنا أن كانت مقدمة لكتاب المتنبي الذي نال عليه عن جدارة لا شك فيها جائزة الملك الفيصل، كيف وقد صنع لك [متنبيا] آخر، – وأفضل هذه الطريقة في كتابة المتنبي بدون همزة -، شاعرا غير الذي تعودت أن تقرأ له وعنه. أما عن رأي الشيخ صالح الحصين فيه وفي مدرسته فهو مما فكرت فيه ورأيت أن بعض قوله صحيحا، وبعضه ربما بسبب خلاف ذلك الجيل معه وجيلهما واحد أو متقارب وما كان الشيخ الصالح يفكر في أقوال الناس بعضهم في بعض بل يستلهم رأيه، وحسبه من العزّ والعقل ذلك.
[1] تحاشيت ذكر اسم الناشر للنسخة التي بيدي بسب كثرة النشرات السابقة للكتاب، وغالبا هي مصورة عن نشرات سابقة.



