كريستابس أندريسون (Kristaps Andrejsons) [[1]]
ترجمة التحرير
هناك العديد من التفسيرات الاقتصادية والأمنية للأزمة الأوكرانية، وهي مفيدة، لكنها ليست كافية. تعود الأسس الثقافية والتاريخية والدينية للصراع بين موسكو وكييف إلى الأسئلة الجوهرية حول ماهية روسيا، وماذا يعني أن تكون روسيًا، ومن الذي يملك أساطير الماضي.
في 12 يوليو\ تموز 2021، نشر الموقع الإلكتروني الرسمي للكرملين مقالًا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحت عنوان “في الوحدة التاريخية بين الروس والأوكرانيين”. هذا المقال مفتاح رئيسي لفهم القصص التاريخية التي أدت إلى تشكيل مواقف بوتين والعديد من الروس.
أولاً، يعتقد بوتين والعديد من الروس أن الروس والأوكرانيين هم شعب واحد (أو) “أمتان شقيقتان”، حيث هناك مجموعة تدعى “الروس العظام” (Velikorossy) والأخرى، هم الأوكرانيون، “الروس الصغار” (Malorossy). إنهم يفكرون بنفس الطريقة بشأن بيلاروسيا (روسيا البيضاء) – من هنا يأتي اسم البلد، Belorusy))، أو “الروس البيض”. عندما أصبحت روسيا قيصرية في عام 1547، كان اللقب الرسمي المختصر للحاكم هو القيصر “قيصر كل روسيا”.
نشأ كل هؤلاء الروس من الدول والإمارات التي خلفت دولة «كييف روس» [[2]] الأصلية، التي حكمها العديد من أعضاء سلالة روريكيد، الحكام المنحدرين من الفايكنج في القرن التاسع. نشأت تلك السلالة في نوفغورود، ثم نقلت عاصمتها إلى كييف (Kiev) – التي أصبحت الآن تكتب (Kyiv)- في عام 882، وأصبحت العاصمة الكبرى لاتحاد روريكيد. كانت موسكو بالمقارنة مع كييف مدينة خاملة الذكر تمامًا. ويأتي أول ذكر مسجل لها في عام 1147 فقط.
هذا هو خط السلالة المشترك الذي يجعل العلاقة الروسية مع بيلاروسيا وأوكرانيا مختلفة تمامًا عن العلاقات مع دول الاتحاد السوفياتي السابق الأخرى. ربما كانت كازاخستان وإستونيا وجورجيا وما إلى ذلك “رفاق” وطنيين، لكن الأوكرانيين والبيلاروسيين هم أقارب. وتدَّعي كل من روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا أن الأخيرة هي سلفهم الثقافي والسياسي – ويؤيد بوتين بكل إخلاص تلك الطريقة في التفكير. ففي مقالته يقول: “احتل عرش كييف مكانة مهيمنة في روسيا القديمة. كانت تلك هي العادة منذ أواخر القرن التاسع. قصة السنون الماضية ظلت أسيرة عبر الأجيال لكلمات أوليغ النبي عن كييف، “فلتكوني أم جميع المدن الروسية”.
يدعم الدين تلك العلاقة كثيرًا -كما يلمح بوتين- ويعود هذا إلى القديس فلاديمير، المعروف أيضًا باسم فلاديمير الكبير، أو فلاديمير المعمدان للشعب السلافي، حاكم “روس كييف” الشهير الذي أعتنق المسيحية الأرثوذكسية عام 988 وجعلها دينًا رسميًا للدولة.
أدى هذا التحول (الديني)، بالإضافة إلى زواج فلاديمير اللاحق من أميرة بيزنطية، إلى علاقات وثيقة مع البيزنطيين – وإلى بداية خط آخر للشرعية والخلافة، يمتد إلى القسطنطينية. فضل فلاديمير مونوماخ، حاكم كييف من 1113 إلى 1125 أن يطلق على نفسه اسم “أرشون[[3]] جميع روسيا” على الطريقة اليونانية. وقد جاء اسمه، مونوماخ، من صلات عائلته بالإمبراطور البيزنطي قسطنطين التاسع مونوماخوس. كانت القسطنطينية، وإمبراطورها الذي توج بطريركًا للمدينة، هي رأس الإيمان الأرثوذكسي، وفوق جميع الملوك والحكام.
لكن اهتز هذا النظام بسبب تدخل الغزاة الشرقيين الأقوياء – أولاً المغول، الذين سحقوا “روس كييف”، وقسموها إلى عدة ولايات تابعة، ثم بسبب الدمار النهائي للقسطنطينية نفسها عام 1453 على يد العثمانيين. ومن ثمّ، فكييف التي كانت مدينة معتدة بنفسها ذات يوم، تُركت في حالة خراب: كومة من الجماجم خارج مستوطنة صغيرة لا تزال متبقية، دون إمبراطور بيزنطي يحكم فوق الملوك الروس.
ولكن مع ضعف قوة المغول بدءًا من معركة نهر أوجرا، في أواخر القرن الخامس عشر، حاولت أجزاء من دولة “روس كييف” القديمة استعادة شرعيتها – وهي التي يُطلق عليها الآن اسم “روسيا”- لكن في الغرب، ثمة تحديات أخرى كانت في مواجهتهم: حيث ضمت بولندا القوية جزءًا كبيرًا من غرب أوكرانيا الحديثة، واستوعبت ليتوانيا بيلاروسيا (روسيا البيضاء).
في تلك الفترة، نالت أوكرانيا، التي كانت ذات يوم تمثل قلب “كييف روس”، اسمها الغريب. هناك نوعان من النظريات السائدة حول هذا الاسم – واحدة يدعمها معظم المؤرخين، والحكومة الروسية أيضًا، وواحدة يدعمها الباحثون والحكومة الأوكرانية بشكل كبير. تشير النظرية الأول إلى حصول المنطقة على الاسم غير الرسمي “أوكراينا” بعد استيلاء التاج البولندي على قلب “روس كييف” السابقة عام 1569، (وتم تفسير هذا الاسم على أنه يعني “بجوار الحدود” باللغة السلافية القديمة)، فهي بحسب المنظور البولندي في تلك الفترة تقع على حدود السهوب والقوى شبه البدوية مثل التتار.
وتدعي النظرية الثانية بأن هناك فرقا بين الكلمتين “oukraina” و “okraina” في اللغة الأوكرانية والسلافية القديمة. فكلاهما مشتق من “kraj”- والتي تعني “الحدود” في اللغة السلافية القديمة، ولكن هناك فرق مهم في حرف الجر. فالنسخة التي تبدأ بـ حرفي Ou تعني “في المركز” بينما تعني النسخة الأخرى “حول المركز” – تعني أوكرانيا في هذا السياق، “الأراضي المرتبطة بالمركز” أو “الأراضي التي تحد المركز”، وهو ما تم تفسيره لاحقًا بأنه إشارة إلى الأراضي المحيطة مباشرة بكييف روس، والتابعة لها مباشرة. هذا ادعاء مستبعد الاحتمال، لكنه يمنح الأوكرانيين إحساسًا قويًا بمكانتهم في إرث “كييف روس”.
في تلك الأثناء، كانت الدولة الروسية الجديدة بحاجة إلى المطالبة بمكانتها الخاصة في العالم الأرثوذكسي – وفي خط السلالة الممتد من الإمبراطورية الرومانية، وهو مصدر آخر للشرعية القومية السياسية. فمع وجود القسطنطينية -روما الثانية – في أيدي المسلمين، كان على موسكو أن تصبح “روما الثالثة”، وجرى رفع مقام بطريركها إلى مستوى بطريرك القسطنطينية وروما. فكما أشار المثل الروسي “أول روميتين هلكتا، والثالثة قائمة، ولن تكون هناك روما رابعة”. وقد أعلن القادة الروس، اعتبارًا من عام 1547، أنهم لم يعودوا ملوكًا بل أباطرة في اللغة الروسية، فـ”القيصر”، مشتق من اللقب الروماني القديم للقيصر (الروماني).
كانت الفكرة مفيدة لهيكل القوة الروسي؛ وكان من شأنها مساعدة الحكام على الحكم المركزي بمساعدة البطريركية الروسية؛ كما أنه أعطى موسكو الشرعية التي كانت بحاجة ماسة إليها. وتزوج الحكام الروس من السلالات البيزنطية المخلوعة، واختلقوا مجموعة متنوعة من الأساطير المرحة لشرعنة ميراثهم المفترض من القسطنطينية.
لكن ثمة مشكلة صغيرة، فكي تُدعى قيصر، عليك أن تحكم روما فقط، وكي تُدعى (القيصر) عليك أن تحكم على كل روسيا. كانت الأهمية الثقافية والتاريخية والدينية لـ” كييف روس” أكبر من أن يتم تجاهلها. ولم تكن هذه مشكلة بالنسبة للقياصرة – الذين استعادوا أراضيهم المفقودة في الغرب ثم شرعوا في التوسع شرقًا.
وقد حاولت الإمبراطورية الروسية محو اللغات السلافية الشرقية الأخرى من ذاكرتها الثقافية المشتركة، وتصرفوا كما لو أن أوكرانيا ليست هناك، ولم تكن موجودة أبدًا، تمامًا كما هو الحال مع بيلاروسيا، فوفقًا للحكومة القيصرية، كان الأوكرانيون دائمًا روسًا لا يمتلكون تاريخا خاصا بهم. وتمّ حظر اللغتين الأوكرانية والبيلاروسية. وكانت القومية الأوكرانية تهديدًا للأساطير الكامنة في روسيا وهددت محاولاتهم لخلق “شعب روسي بوجه عام”.
وفي المقابل، وفي عهد الاتحاد السوفياتي نظر المثاليون الأوائل إلى الماضي الإقطاعي بازدراء وتخيّلوا أوكرانيا وبيلاروسيا وروسيا كشعوب منفصلة تم ربط بعضها البعض بواسطة النموذج المثالي السوفياتي، لكن سرعان ما تفككت تلك المثالية المبكرة بالنسبة للسوفيات. وكان جوزيف ستالين مهووسًا بتدمير أوكرانيا. فقد قتلت المجاعة المصطنعة (هولودومور) في 1932-1933، ملايين الأوكرانيين – على الرغم من وجود نقاش حاد بين المؤرخين حول كيفية حدوث هذا الاستهداف العمدي. وجرى قمع الثقافة الأوكرانية بشكل منهجي، بما في ذلك حظر تدريس اللغة الأوكرانية في المدارس، وتم إغلاق الكثير من تلك المدارس نفسها.
ومع ذلك، كان نيكيتا خروتشوف خليفة ستالين، أوكرانيًا، وكان رئيسًا للحزب الشيوعي الأوكراني حتى عام 1949، لذا رأى في النظام السياسي السوفياتي الذي يمثل شكلًا وثيقًا من الاندماج مع درجة معينة من الاستقلالية في الشؤون المحلية، على أنه سياسة أكثر فاعلية مقارنة بالإبادة الصريحة (لهوية وكيان الدول الأعضاء).
وفي عام 1957، وكجزء مما يسمى بعملية التطبيع، جرى إنشاء مجالس اقتصادية إقليمية بالإضافة إلى المجالس الاقتصادية الجمهورية لتعزيز الحكم الذاتي الأوكراني. واكتسبت الجمهورية الاشتراكية السوفيتية الأوكرانية الحق في تمرير قوانينها الخاصة على هذا الصعيد طالما كانت متوافقة مع تشريعات الاتحاد وبطلب من الأجهزة الاتحادية.
وأصبحت كييف عاصمة سوفييتية نموذجية للغاية، دون أي اهتمام أو امتيازات خاصة، لتتوافق بشكل أفضل مع باقي الاتحاد السوفياتي. وتمّ التقليل من شأنها وتجاهل موقعها ومكانتها الخاصة في تاريخ السلافية الشرقية، لأن تلك المكانة لم تكن جزءًا من السردية السوفيتية التي أراد بناءها أصحاب السلطة.
لكن ذلك (التجاهل) يعد مشكلة كبيرة بالنسبة لروسيا الحديثة، التي لا تتمتع بالمرونة الأيديولوجية للسوفييت أو الامتداد الإقليمي للإمبراطورية القديمة.
يطرح بوتين نفسه كشخصية شبيهة بالقيصر، إنه يريد أن يدخل في كتب التاريخ باعتباره موحدًا عظيمًا للأراضي الروسية – إن لم يكن ذلك تحت حكم واحد؛ فبالتأكيد، باعتبارها القوة المهيمنة في العالم الروسي.
لطالما قدم بوتين نفسه كقائد جليل ومنتصر، خذ على سبيل المثال خطاب النصر الذي ألقاه بعد انتخابات 2012، أو كيف شدد على الأهمية التاريخية لإعادة التوحيد بعد ضمه لشبه جزيرة القرم في الخطاب أمام نواب مجلس الدوما، واصفاً ذلك الضم بـ “العودة إلى الوطن”، وتركيزه على المجد العسكري الروسي في الماضي. وكانت أغراضه واضحة أيضًا في ردة فعله على أي محادثات يابانية حول صفقة تتعلق بجزر الكوريل.
قام بوتين أيضًا ببناء قصر ضخم وفخم لنفسه، ذو نسور مطلية بالذهب برأسين، وفي كل مكان- حتى في نادي التعري الخاص به- وهو رمز إمبراطوري روسي واضح. وتساعد الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بوتين على تهدئة السكان، وتدعم كل الأساطير التي يسعى الكرملين إلى تمجيدها.
يريد بوتين أن يأخذ رصيدًا من الإرث السوفياتي، وفي نفس الوقت، أن يُنظر إليه من منظور الأباطرة القدامى، لذلك، كان عليه أن يعيد التأكيد على الأساطير والقيم الإمبراطورية القديمة، ولكي يقوم بذلك، عليه أن يضع كييف تحت إبهامه، فبعد كل شيء، “كييف روس” المستعادة هي روسيا، وروما الثالثة.
تسير أوكرانيا في دربها الخاص، مدعية أن “كييف روس هي إرثها”، وتبتعد عن موسكو، وتحصل كنيستها الأرثوذكسية على الاستقلال، وكل هذا يتعارض مع أساطير الدولة الروسية، هذه الأساطير الإمبراطورية هي ما يمنح روسيا هويتها، وما يعني أن تكون روسيًا. بدونها، تتوقف روسيا عن كونها “روسيا” في نظر الكثيرين. وبوتين مقتنع بأنه إذا تم تمزيق هذا الصمغ الاجتماعي، فستنقسم روسيا إلى عدة أجزاء مرة أخرى – وإذا سمح بحدوث ذلك، فإن إرثه سيتحطم؛ فبالنسبة لبوتين، لا يمكن أن تكون هناك لغة أو ثقافة أو تاريخ أوكراني منفصل.
في الوقت نفسه، تواجه أوكرانيا مشكلة شبيهة، بحيث تشعر أنها -وليست روسيا- هي الوريث الحقيقي لـ” كييف روس”. ويحتاج الأوكرانيون إلى فصل ” كييف روس” عن روسيا الحديثة وعرض تاريخهم الخاص. لقد رأوا ما حدث عند قبول الأساطير الروسية في بيلاروسيا – حيث تلوح المعارضة الآن في الاحتجاجات بعلم أبيض وأحمر وأبيض اللون يعود إلى حقبة الكومنولث البولندي الليتواني، وهو ما يثير إعجابهم بالقومية التاريخية الروسية.
وهكذا، يستمر الصراع. وسيستمر ما دامت روسيا تريد أن تظل قادرة فعليًا على أن تسمي نفسها روسيا، وفق تعريفها لذاتها. ومادام الآخرون، المنحدرون هم كذلك من “كييف روس”، يريدون تقرير مصيرهم وأن تكون لهم لغتهم وتاريخهم وتقاليدهم الخاصة، دون تدخل من موسكو.
يمكن التعامل مع القضايا الاقتصادية، وإعطاء ضمانات أمنية، وإبرام صفقات جديدة، لكن هذه المشاكل القديمة لا يمكن حلها إلا من خلال بناء مشروع جديد تمامًا، بمُثُل جديدة، وأساس جديد للشرعية لا يحتاج إلى أساطير تاريخية كي يدعم نفسه. ربما حان الوقت –أخيرًا- لترك روما الثالثة تسقط. وكي ندفن تلك الأساطير القديمة دفنًا لائقًا، يجب أن نحترم الجزء المتعلق بعدم بناء (روما) الرابعة.
[1] https://foreignpolicy.com/2022/02/06/russia-and-ukraine-are-trapped-in-medieval-myths/
[[2]] دولةً اتحاديةً واسعةً ضمت السلاف الشرقيين والفنلنديين في أوروبا منذ أواخر القرن التاسع وحتى منتصف القرن الثالث عشر
[[3]] ارشون: اسم يطلق على كل واحد من رؤساء القضاة التسعة في أثينا القديمة.



