أدب الرحلات من فنون الآداب العالمية العريقة، ويعدّ أدب الرحلات الى الأماكن المقدسة من أروع أشكال هذا الأدب. وقد استأثرت الرحلة إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة، وزيارة الرسول “صلى الله عليه وسلم” والمشاهد المشرّفة في المدينة المنورة باهتمام طائفة من المسلمين الذين حرصوا على تدوين مشاهداتهم، وانطباعاتهم وأحوالهم في هذه الرحلة الكريمة، بل طالما شرع بعض المؤلفين بالبدء بتصنيف آثارهم في هذه الديار، والسعي لختامها هناك، أو الفراغ من الآثار التي كتبوها في مواطنهم بغية تسجيل تاريخ الفراغ منها في هذه الأماكن الغالية، والاحتفاظ بذكرى عبقة عنها، تقترن أبدا بجهودهم الفكرية.
كما اشتهرت بعض المصنفات الهامة في التراث الإسلامي بنسخة مميزة، أعاد تدوينها المؤلف في البيت الحرام مثلا، بعد فراغه من تأليف كتابه في موطنه، أو باشر بالتأليف في مكة المكرمة، وجاور البيت الحرام لسنوات، ريثما ينجز كتابه، ثم كتبه ثانية في بلد آخر.
وظل البيت الحرام على الدوام مصدر إلهام للكتّاب والمؤلفين الذين تشرفوا بالطواف في رحابه الطاهرة. وفي العصر الحديث وفد إلى الديار المقدسة بمعية أفواج الحجاج والمعتمرين، الكثير من الصحفيين، والأدباء، والمفكرين، واهتم جماعة منهم بتدوين رحلته والإفصاح عن تجاربه الروحية ووصف المناسك، والمراسم، والأماكن، والأسواق وطبيعة تقاليد وطبائع مواطني البلدان الإسلامية الذين التقاهم. ومن الواضح أن هذا الكم من أدب الرحلة إلى الحج، يتفاوت في أهميته الروحية، وقيمته الثقافية والأدبية، وقدرته على رصد التفاصيل الدقيقة، والوقائع المهمة في هذه الرحلة، لأن ذلك يرتبط بموهبة الكاتب، وإمكاناته الإبداعية، ونمط خبراته السابقة، ومستوى ثقافته وامتداداتها الأفقية والرأسية.
وكانت استبصارات العرفاء في الحج هي الأكثف في دلالاتها، والأجلي في كشفها عن أشواق الروح وتطلعاتها للسياحة في عالم الربوبية. يروي الهجويري عن أبي يزيد: (وعنه «رضي الله عنه» أنه قال: قصدت مكة ذات مرة. ولم أر هناك إلا البيت. فخالجني أن حجي غير مقبول، لأني شاهدت الكثير من هذه الأحجار. حججت مرة أخرى فرأيت البيت وربّ البيت، مع ذلك قلت إني لم أبلغ حقيقة التوحيد بعد. وقصدت الديار تارة ثالثة، رأيت رب البيت ولم أر البيت. وكأن أحداً ينادي؛ يا أبا يزيد إذا رأيت العالم كله ولم تر نفسك، فلست بمشرك. وإن رأيت نفسك كنت مشركا حتى لو لم تر من العالم شيئا. عندها أنبت إلى الله وتبت… من رؤية نفسي)[1].
وبالرغم من وفرة الكتابات في هذا الحقل، لكن قلّما نعثر على نماذج باهرة منها ترتقي فيها أدوات السرد الى مستوى رفيع يجعله بدرجة تضاهي روائع الأدب العالمي.
وأحسب أن رحلة جلال آل أحمد إلى الحج الموسومة «خسي در ميقات» تعد واحدة من أندر وأثمن تلك الأعمال. وتكتسب هذه الرحلة أهميتها مما يلي:
1- أن كاتبها من أبرز رواد القصة في الأدب الفارسي الحديث، مضافا إلى أنه ناقد، ومفكر، وسياسي، ورحالة، ومثقف متمرد، اجترح مغامرات فكرية لم تتوافر لمعظم أترابه، إذ اتسمت هذه المغامرات بتقلبات وتنقلات بين «محطات أربع» وصفت بأنها «كعبات أربع» هي: موسكو، باريس، القدس، ومكة. وأن هذه المدن ترمز إلى مراحل توجهه السياسي، والثقافي، والإلهامي، والإيماني، وأنه غادرها جميعا، باستثناء مكة المكرمة، كما يؤكد شقيقه شمس آل أحمد.([2])
فقد بدأ جلال رحلته الفكرية السياسية بموسكو حين تماهى معها من خلال التحاقه بحزب توده في السنوات 1944-1947. ثم أقلع منها إلى باريس، فانخرط في تيارات الأدب والثقافة الفرنسية، وشغف بألبير كامو، وسارتر، وغيرهم، فترجم «الغريب» لألبير كامو بالتعاون مع د. أصغر خبر زاده، سنة 1949 و«سوء التفاهم» لألبير كامو أيضا سنة 1950، كذلك ترجم «الأيدي القذرة» لسارتر سنة 1952.
وتأثر بالعديد من المفكرين الأوروبيين، وأغرق في إطراء جان بول سارتر، معتبرا إياه مقياسا للضغط السياسي والأدبي، ومناهضا لكل نزعة تسلطية، مستعيرا منه فكرة الالتزام الاجتماعي كجزء أساسي من مهمة الكاتب، وقد حذا حذوه في تسمية المستنير بــ «الضمير المريض» للمجتمع.([3])
وفيما مضى أشرنا إلى أنه تأثر بهايدغر، واستلهم أفكاره بشأن طبيعة التكنولوجيا الغربية والمادية الغربية بوساطة أحمد فرديد.
ثم يمم آل أحمد وجهه صوب مكة، وتبلور في وعيه نزوع واضح نحو الدين، والتراث، والماضي، وكان كتابه «نزعة التغريب» أول بيان صريح حلّل فيه آثار التغريب في إيران، وأردف ذلك بعد سنوات بكتاب هجائي للمثقفين المنبهرين بالحضارة الغربية، والمروجين لقيمها في المجتمع، صدر بطبعة محدودة سنة 1965 بعنوان «المستنيرون …خدمات وخيانات» ثم صدر نصه الكامل في جزئين سنة 1977.
وبوسعنا القول إن رحلته إلى الحج التي دوّنها سنة 1964، جسدت صورة ناصعة عن الإبحار الختامي لسفينته في شاطئ الديار المقدسة. ولا ندري ماذا كانت تخبئ الأيام لهذا الأديب الناقد في السنوات التالية من تحولات أو مواقف لو لم يختطفه الموت في 8/9/1969.
لقد أوضحت زوجته الدكتورة سيمين دانشور في مقالها الرثائي لزوجها اتجاهاته الإيمانية في العقد الختامي من حياته بقولها: «…لم يكن ماديا، بل كان أصيلا، وإذا كان قد اتجه للدين، فقد اتجه عن وعي وبصيرة، لأنه اختبر قبل ذلك الماركسية والاشتراكية، وإلى حد ما الوجودية، وكانت عودته النسبية إلى الدين… طريقا للتحرر من الإمبريالية، وصيانة للهوية الوطنية، وسبيلا إلى الشرف الإنساني، والتراحم، والعدالة، والمنطق، والتقوى … كان جلال يحمل همّ هذا الدين …».([4])
2- اختار جلال آل أحمد الذهاب إلى الحج مع القوافل الشعبية الفقيرة، فكان حجه يماثل حج المتسكع، كما تفصح عنه مذكراته بالنسبة إلى نوع الطعام، والمساكن، ووسائط النقل، وطبيعة المرافقين في الرحلة.
وهو اختيار لم يكن عشوائيا فيما أظن، ذلك أنه أراد أن يعيش الصورة الحقيقية لهذه الرحلة، بعيدا عن التشريفات التي تخلعها على منتسبيها بعض القوافل المترفة، أو بعض الوفود والبعثات الرسمية.
أخال أن آل أحمد كان بإمكانه السفر مع قافلة مرفهة، يتبوأ فيها مكانة تمنحه امتيازات مادية ومعنوية تحافظ على مقامه، لأنه كان ينال مكافآت على كتاباته، مضافا إلى مرتبه الشهري، لكنه آثر أن يرافق قافلة شعبية ذات امتيازات متواضعة كي يلامس عن قرب مشاعر الناس، ويتحسس حياتهم عن كثب، مثلما تكلم عن ذلك فيما كتب في هذه الرحلة مشيرا إلى ضرورة اقتراب المفكر من هموم الناس، وقضاياهم عبر معايشتهم.
وكانت هذه عادته في السفر والتجوال بين المدن الإيرانية، إذ يسافر مع الناس في وسائط النقل العام، فينفتح على خفايا حياتهم عن قرب، ويندمج في آلامهم المختلفة، ويتعرف على طبيعة تفكيرهم، وتطلعاتهم، وأحلامهم، ورؤيتهم للواقع، وما يضج به من متاعب، ومشكلات متنوعة.
إن هذه الرحلة منحت آل أحمد فرصة مهمة لإعادة اكتشاف طبيعة العلاقات السائدة بين عامة الناس، ونمط وعيهم وتفسيراتهم للظواهر الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، ورؤيتهم الكونية، وطقوسهم، ولذلك كان يهتم بملاحقة كل صغيرة وكبيرة في أحاديث المرافقين في القافلة، وحالاتهم في ساعات الراحة والسكينة، والاضطراب والتوتر.
ومن ثم تبدو هذه الرحلة مناسبة عزيزة في حياة آل أحمد للفرار من عوالم النخبة ومشاغلها، والعيش مع عامة الناس، والالتصاق بحياتهم، تلك الحياة الزاخرة بالبساطة، والعفوية، والبراءة، المشابهة للبداوة، أو القريبة من الأشكال البدائية، وهي أشكال ما فتئ آل أحمد شغوفا بالعودة اليها، لأنه كان يمقت كل الأساليب الحديثة التي اكتسحتها.
ولم تقتصر مطامح آل أحمد في رحلته على الملاحظات العابرة، والانطباعات العاجلة، وإنما كان يسعى للتوغل في الأبعاد الخفية لما يراه من ظواهر، ويعمل على تحليلها، من أجل اكتشاف مضمراتها، وما لا تقوله من نزعات بشرية، وما يدخل في تشكيلها من عناصر ثقافية.
إنه يحاول أن يسجل ملاحظاته من منظور باحث انثربولوجي، ولذلك يمكن ان تُصنف هذه المذكرات كوثيقة انثربولوجية، لدارس مهتم بالتعرف على طبائع المجتمعات الإسلامية، وأنماط ثقافاتها، من خلال معايشة الجماعات الوافدة للحج من تلك المجتمعات، والاختلاط بمن يلتقيه منهم، والمبادرة بسؤاله، بما يتقنه من العربية أو الإنجليزية.
3- تشتمل هذه الرحلة على معلومات تاريخية هامة، ذلك أن مؤلفها كان يدوّن ما يشاهده، من عمارة البيت الحرام، والجغرافيا السكانية والعمرانية لمكة المكرمة والمدينة المنورة، والأسواق والمتاجر، والشوارع، وعربات النقل، والمناسك، في عرفات، ومزدلفة، ومنى، وأشكال مخيمات الحجاج فيها، بل حرص على تقديم إحصائيات رقمية لأعداد الوافدين إلى الحج في ذلك العام، وجنسياتهم. وهي أرقام استقاها من الصحافة الصادرة وقتئذ، لأن آل أحمد كان مواظبا على مطالعة الصحف اليومية في الديار المقدسة، وربما استقاها أيضا من أسئلته المتنوعة للأشخاص الذين يلتقيهم، حين يستقل وسائط النقل، أو يتجول في الأسواق، أو أثناء أداء المناسك، وزيارة المشاهد المشرفة.
وقد ظل يواظب على تسجيل ملاحظاته في دفتر يصطحبه حيثما كان؛ في محل الإقامة، وفي السيارة، وفي المناسك، وحتى في مواطن الانتظار، في المطار، وغيره.
ولم يتوان جلال في كتابة مذكراته، إلى حين عوْدَتِه، مثلما فعل غير واحد من الحجاج ممن كتبوا مذكراتهم بعد عودتهم الى مواطنهم، وإنما حرص على تسجيل ما يعاينه مباشرة. كانت كتابته آنية، يسترق دائماً لحظات، فيخلو بها، ويعكف على تعزيز يومياته، والإضافة إليها في كل مرة يلفت نظره فيها موقف يستحق الذكر، فمثلا تتمدد كتابته في بعض الأيام، بحسب زحمة حركته، ووفرة لقاءاته، أو تتقلص، عندما يضطر للمكوث في المسكن، ولا يلتقي الآخرين.
4- تصنف رحلة آل أحمد إلى البيت الحرام من النصوص الأدبية الفريدة المدونة باللغة الفارسية في العصر الحديث، لأن نصه يوظّف الموروث الحكائي، والفلكلور، والسخرية، ويبدع في صياغة نموذج مميز للسرد.
ويذهب بعض النقاد إلى أن أسلوب جلال طوّر الأدب الفارسي، لأنه يصوغ عباراته ببيان يمزج فيه بين اللهجة الدارجة واللغة الفصيحة، وتتشكل نصوصه من جمل قصيرة، وأحيانا لا تحتوي الجملة التي يصوغها على فعل في تركيبها، ومع ذلك تعبر عن معناها بوضوح.
وربما كانت جزالة بيانه، وشفافية أسلوبه، وقدرته الفائقة على الكتابة بلغة السهل الممتنع، من العوامل الرئيسة لاشتهار آثاره، وشدة إقبال القراء عليها، ووفرة المطبوع منها.
وقد حاول بعض الأدباء تقليده واستعارة تقنياته في السرد، ومحاكاته فيما كتب، بنحو بات أسلوب آل أحمد أحد النماذج الشهيرة في الأدب الفارسي الحديث.
وقد تجلى هذا الأسلوب كأروع ما يتجلى في «قشة في الميقات»، بوصفه من النصوص الأخيرة التي كتبها جلال قبل وفاته بسنوات، مضافا إلى أنه كتبها في ظروف خاصة، مرَّ خلالها بحالات قبض وبسط روحي، ولحظات انفعال، وتوتر، وضراوة، ولحظات استرخاء، وهدوء، وانشراح. وكل حالة ولحظة من تلك الحالات واللحظات تثير لديه شتى الهواجس، وتستدعي في وجدانه مختلف الإيحاءات والصور. وإلى ذلك يعود تميز أسلوبه وفرادته في هذه الرحلة، فهو يتألق في مواضع عديدة، فيرتقي إلى الشعر المنثور، أو قصيدة النثر، حسب مصطلح النقد الأدبي اليوم.
5- ليست يوميات آل أحمد تأملات في استجلاء الأبعاد التربوية لعبادة الحج، واستيحاء فلسفة كل واحد من المناسك، كما فعل بعض الذين كتبوا عن الحج، لأن آل أحمد أراد لمذكراته أن تتدفق بعفوية، وتجري بتلقائية، لا تتقيد بترسيمات وحدود مسبقة، بل تواكب حركة الحاج، وأحداث الرحلة اليومية الشديدة الغنى والتنوع، فهي تضم رؤى انثربولوجية، ورصد ظواهر اقتصادية، وتحليلات سياسية، وطرائف أدبية، ونقداً ساخراً، ومعلومات تاريخية، وجغرافية…، وغير ذلك.
لكن رحلة آل أحمد توهجت فيها ومضات، تحدثت عن فلسفة لبعض المناسك، كشذرات رصعت عباراته، خاصة في المواضع التي كان يكتب فيها مذكراته في الأيام التي أمضاها في بقاع المناسك؛ في عرفات، والمشعر الحرام، ومنى، أو أثناء أداء الطواف في البيت الحرام، والسعي بين الصفا والمروة.
ولا أريد أن أبالغ لو قلت: على الرغم من مطالعتي لمجموعة من رحلات الحج المعروفة، وتشرفي بأداء الحج والعمرة عدة مرات، فإني وجدت نفسي مع «قشة في الميقات» أنبسط حيث ينبسط جلال، وأنقبض حيث ينقبض، وأعيش في خيالي حالاته وأحاسيسه، في السعي والطواف، وكأني أواكبه في خطواته، وأتماهى مع مشاعره، فأرى ما يرى، وأرتشف ما يرتشف، وأتحسس خطواته، وأستمع إلى ابتهالاته واستغاثاته، وأذكاره. وعندما كنت أقرأ حالاته، أتعطش بوجد وشوق إلى البيت الحرام، والمناسك المقدسة، وأتمنى أن أتمثل تلك الحالات والابتهالات، بل أتمنى أن يطالع الحجاج والمعتمرون رحلة آل أحمد، لينفتحوا على ما تختزنه المناسك من منابع للإلهام الروحي والتربوي، وليغدو الحج مناسبة استثنائية لإعادة بناء الشخصية المسلمة، وإعدادها أخلاقيا ومعنويا، لتجسيد رسالة الإسلام في الحياة، ومن ثم تجسيد التسامح، وقبول الآخر، والأمن والسلام.
لقد كان الدكتور علي شريعتي شديد الإعجاب برحلة جلال هذه، وكان يأمل أن يرافقه مرة أخرى إلى الحج سنة 1969، لكن آل أحمد التحق بالرفيق الأعلى قبل أن تتحقق أُمنية صديقه شريعتي، وعندما ذهب الأخير للحج في ذلك العام كان يقول: «إن أطياف آل أحمد ما لبثت ترافقني في كل مكان، كنا نؤدي المناسك معا، لكن لا أدري لماذا وجدته في السعي أكثر حضورا من أي مكان آخر. إن أشعة حضوره ظلت ساطعة. كنت أسمع صوت أقدامه، كان يهرول مسرعا. كنت أتحسس زفير أنفاسه كزفير أنفاس عاشق. كنت أهرول مع جموع الناس، غير أني كنت أعانقه حيثما ذهب. ما انفك يهرول معي. أراه كالصخرة المتدحرجة من جبل الصفا. هكذا اندمج مع البشر، كنت أسمعه وأراه كالحلاج، حينما كان يضرب رأسه بعمود الإسمنت، وهو يصرخ بالناس: إنما أضربه لصلابته وعصيانه. لماذا رأيته في السعي أكثر من أي مشعر آخر؟ لأنه تفاعل في حجه بالسعي أشد من أي منسك سواه. هكذا قرأته في رحلته الى الحج. أظن أن عمره يشبه السعي. كان كالعطشان الذي يلهث وراء الماء لاسماعيل الظامئ في الصحراء. كان عدوه في الصحراء بمثابة السعي…».([5])
كتب آل أحمد يوم السبت الموافق 18/4/1964 في يومياته وصفا للسعي بين الصفا والمروة، وهو يؤدي هذا النسك يقول فيه: إن «ذوبان الفرد في الجماعة، أتراه أقصى غايات هذا التجمع الغفير، وهذه الرحلة؟ عشرة آلاف إنسان، وربما عشرون ألفاً يمارسون شعيرة واحدة، في آن واحد. هل يمكنك أن تفكر بنفسك وسط هذا الانعتاق الجماعي الهائل، فتعمل شيئا بمفردك؟ التيار يجتاحك ويأخذك أخذا وبيلا، هل حدث أن كنت وسط جماعة من الناس مذعورة، وهي تهرب من شيء ما؟ ضع كلمة «منعتقة» مكان كلمة «مذعورة» في الجملة السابقة، وضع «حائرة» بدل «تهرب»، أو ضع مكانها كلمة «لائذة». أنت مسلوب الإرادة مائة بالمائة، وسط هذا البحر العاصف من البشر. تنسلخ كلمة «الفرد» هناك عن كل معانيها ومدلولاتها، ولا يبقى فارق بين الألفين والعشرة آلاف… ووجدتني لا أستطيع المواصلة. أجهشت بالبكاء، وهربت. وعنّ لي أن البسطامي أخطأ خطأ فاحشا، إذ لم يلق نفسه تحت أرجل هؤلاء السعاة، أو على الأقل من أن يلقي أنانيته تحت أقدامهم. حتى الطواف، لا يثير مثل هذه المشاعر، والهياج الروحي».([6])
ثم يقارن جلال بين تجليات الروح حالة السعي والطواف، وما يمكن أن يستلهمه الإنسان من ممارسة كل واحدة من هاتين الشعيرتين، فيكتب: «في الطواف حول البيت تسير مع الناس بأكتاف متلاصقة باتجاه ما، تدور معهم حول شيء معين، أي أن ثمة هدفا فيه ونظاما. وأنت نقطة في دائرة عظيمة تجول حول مركزها، فأنت إذن متصل بمنظومة معينة، ولست منعتقا متروكا لحالك، والأهم من ذلك أنك لا تواجه أحدا هناك. تلاصق عواتق الآخرين، ولا تنظر في وجوههم، فلا تبصر الانعتاق والهيام إلا في التدافع والتلاحم، أو تسمعه مما تلهج به الألسنة. لكنك في السعي تذهب وتجيء، حائرا كحيرة هاجر، ليس ثمة هدف أو وجهة… الحاج عند السعي يختزل إلى قدمين، وعينين، ذاهلتين، ساهمتين، هاربتين من نفسهما، يهيم هنا وهناك. العيون يومئذ ليست عيونا، إنها ضمائر عارية، أو هي ضمائر جلست على أعتاب العيون، تنتظر أوامر الفرار، وهل يتسنى النظر في هذه العيون لأكثر من ثانية؟! كنت أظن ــ إلى اليوم ــ أنه لا يمكن التحديق في الشمس فقط، لكنني اكتشفت الآن تعذر ذلك مع بحر العيون الساعية أيضا، ولذت بالفرار. بعد شوطين فقط من الذهاب والإياب، يتجلى لك بكل وضوح أية لانهاية صنعتها من هذا الصفر، وذلك حينما تكون متفائلا، وقد شرعت لتوك، وإلا سترى نفسك أقل حتى من الصفر، حيال هذه اللانهاية، كقشة في البحر، بحر من البشر، بل ذرة هباء في الفضاء». ويردف آل أحمد موضحا ما استولى عليه من ذهول، وتوتر، وانفعال، في المسعى، «أقول بصراحة: شعرت كأني أقترب من الجنون، لفّني شوق عارم أن أرطم رأسي بأول عمود اسمنتي، وأفجره. لا أطيق السعي إلا اذا كنت مكفوف البصر».([7])
انتخبنا هذا النموذج من كتاب جلال، ليطلع القارئ على أسلوبه في تحليل مناسك الحج، واستجلاء فلسفة هذه العبادة التي تؤديها أفواج غفيرة من المسلمين كل عام، باختلاف أعراقهم، ولغاتهم، وبلدانهم، لكنهم يتوَحّدون في أداء المناسك.
ومع أن آل أحمد لم يتوسع في الحديث عن الآثار المعنوية والأخلاقية للحج، غير أنه بث مجموعة أفكار هامة في سياق حديثه عن الأيام التي أمضاها في عرفات، والمشعر الحرام، ومنى، كذلك اهتم بوصف حالته، وحالات من صحبهم من الحجاج، والذين التقاهم حال أداء المناسك، واطلع على أشواقهم الروحية، ومواجيدهم، وابتهالاتهم.
ولا يبدو آل أحمد متفائلا، بسبب عدم استيعاب الكثير من الحجاج للأبعاد العميقة لهذه التجربة الروحية، ذلك أن الأمية والجهل وقتئذ، لدى أعداد كثيرة من الحجاج، وعدم توفرهم على ثقافة شرعية مناسبة، واستغراقهم في الإطار الشكلي للطقوس، حجبهم عن وعي أهداف المناسك، وإدراك مقاصد الحج، واستلهام الآثار التربوية الهامة للمشاعر المشرفة.
[1] علي بن عثمان الهجويري، كشف المحجوب، ص 134.
([2]) غسان طعان. مصدر سابق. ص264.
([3]) مهرزاد بروجردي. مصدر سابق، ص77.
([4]) سيمين دانشور. غروب جلال. قم: نشر خرم، ط4، 1992، ص22،21.
([5]) على شريعتي. مجموعة الآثار. ج.6:ص86-87 .



