في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «فورين بوليسي» تحت عنوان “Odysseus at the End of Civilization” (أوديسيوس في زمن نهاية الحضارة)، يقول الكاتب والمؤرخ بريت ديفيرو إن فيلم «الأوديسة» لكريستوفر نولان المعروض حاليًا في دور السينما حول العالم، أصبح هدفًا لحروب ثقافية على الإنترنت قبل وقت طويل من عرضه. كما أُثير جدل واسع حول دقته التاريخية، ولا سيما في منشورات اليمين المتطرف على منصة «إكس».[[1]]
وتُعدّ ملحمة هوميروس الشعرية «الأوديسة» من أكثر الأعمال الأدبية التي أُعيد سردها وتفسيرها، وتأتي نسخة نولان، في هذا السياق، أقرب إلى إعادة صياغة منها إلى إعادة إنتاج، إذ توظف عناصر وموضوعات القصيدة الشفوية التي تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد لتأطير نقد ثقافي وسياسي للحركات الرجعية الحديثة، والتحذير من أن تدمير معايير التحضر، ولا سيما في التعامل مع المهاجرين والأجانب والغرباء، يُنذر بانهيار ثقافي أوسع.
وتُمثّل «الدقة التاريخية» إطارًا إشكاليًا لفهم هوميروس؛ فقصيدته نفسها مزيج من عناصر تاريخية تمتد عبر ما يقرب من أربعة قرون ونصف، منذ وقوع أحداثها المفترضة حتى اكتمال تدوينها. إذ يمزج هوميروس بحرية بين عناصر العصر البرونزي المتأخر وعناصر عصره، فضلًا عن عناصر خيالية بحتة.
ومن المرجح أن نولان يتجنب هو الآخر الدقة التاريخية الصارمة؛ فبينما يتناول الفيلم فكرة انهيار العصر البرونزي المتأخر، وموجة تدمير المواقع الأثرية وزعزعة استقرار الإمبراطوريات التي حدثت بين عامي 1220 و1250 قبل الميلاد تقريبًا، فإنه يظل فيلمًا معاصرًا بامتياز، وقد اختار نولان له أسلوبًا بصريًا يسعى إلى إضفاء طابع خيالي غير مقيد بزمن تاريخي محدد.
وبينما تُعدّ بعض دعائمه مقتبسة من العصر البرونزي، ولا سيما بعض الأسلحة المعلقة على جدران قصر أوديسيوس، فإن معظم العناصر البصرية صُممت لإحداث انطباع بصري قوي، لا لتحقيق الدقة التاريخية. وكما في القصيدة الأصلية، يُروى جزء كبير من القصة من خلال مشاهد استرجاعية من ذاكرة أوديسيوس.
ويُخيّم شبح نهاية العالم على أحداث الفيلم، حيث تشير الشخصيات، بنبرة متشائمة، إلى شائعات عن اقتراب «شعوب البحر»، وهم غزاة قادمون من البحر تظل هويتهم غامضة حتى وقت متأخر من الفيلم. وإلى جانب ذلك، يتساءل أوديسيوس صراحة عما إذا كانت حضارته «تنهار»، وينتهي الفيلم بتعليقه بأن الأجيال القادمة ستحتاج إلى شعراء يحفظون قصصهم، لأنهم لن يكونوا قادرين على الكتابة.
وقد جاءت موجات الغزاة المسلحين أو اللاجئين، الذين أشارت إليهم السجلات المصرية باسم «شعوب البحر»، نتيجة تغيرات مناخية أدت إلى اضطراب سياسي في اقتصادات الممالك المركزية في المنطقة، حيث بدأت الدول الأكثر هشاشة على الأطراف في الانهيار. وقد أدى ذلك إلى تعطُّل التدفقات التجارية، واندلاع الصراعات، وحدوث موجات نزوح أسهمت في انهيار جزء كبير من الدول الكبرى المطلة على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، في تداعٍ متسلسل يشبه سقوط أحجار الدومينو.
وربما كانت تلك اللحظة أقرب إلى حدث يمكن وصفه بـ«نهاية حضارة» حقيقية، على الرغم من أن الدمار لم يكن شاملًا حتى داخل شرق البحر الأبيض المتوسط. وقد انهارت الحضارة اليونانية في تلك الفترة انهيارًا كارثيًا إلى درجة فقدان القدرة على الكتابة. وعندما عادت الكتابة اليونانية إلى الظهور في القرن الثامن قبل الميلاد، جاءت بأبجدية جديدة مبنية على الحروف الفينيقية، وهي الأبجدية اليونانية التي نعرفها اليوم.
وتظهر الخطيئة التي تُهدد الحضارة في الفيلم من خلال فكرة القسوة على الغرباء، والتي يُشار إليها باسم «قانون زيوس»، أي المفهوم اليوناني للضيافة، حيث تقع على عاتق المضيف مسؤولية إطعام ضيفه وحمايته، كما تقع على الضيف مسؤوليات مماثلة تجاه مضيفه. ويُعد انتهاك قواعد الضيافة وما يترتب عليه من عواقب أحد المحاور الرئيسة في ملحمة «الأوديسة»، غير أن هوميروس يعالج هذا الانتهاك بوصفه خطيئة فردية في الغالب، بينما يحوله نولان إلى خطيئة حضارية.
وبذلك، يقدم نولان رؤية لانهيار الحضارة بوصفه نتيجة لانهيار الأعراف الاجتماعية القائمة على الضيافة والكرم والرحمة. ويلقي أوديسيوس، في نهاية الفيلم، باللوم على نفسه في هذا الخرق، ويختار المنفى كنوع من التكفير عن ذنبه.
وهكذا، يقدم الفيلم نقدًا للحاضر في إطار سرد روائي لحدث انهيار قديم، لكنه يظل متجذرًا بعمق في قضايا العصر الراهن. فالإشارة المتكررة إلى «قانون زيوس» بوصفه دعوة إلى اللطف مع الغرباء يُراد لها، بوضوح، أن تُقرأ في ضوء الموقف العدائي الصادم الذي تبنته إدارة ترامب تجاه المهاجرين والأجانب في الولايات المتحدة.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2026/07/23/odyssey-civilization-collapse-history/?tpcc=recirc_trending062921



