في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية، تحت عنوان “Elon Musk is the Bastard Heir of Liberal Capitalism” (إيلون ماسك هو الوريث غير الشرعي للرأسمالية الليبرالية)، يقول الصحفي أولي دوغمور إن رجل الأعمال إيلون ماسك أصبح أول تريليونير في الرأسمالية المعاصرة. غير أن ثروته، في حد ذاتها، لا تمثل سابقةً مطلقة؛ فالتاريخ يخبرنا بأنه، مع احتساب أثر التضخم، تمكن آخرون، نظريًا على الأقل، من بلوغ هذه المرتبة، مثل أباطرة أسرة سونغ أو خانات المغول، الذين كانت اقتصادات ممالكهم تمثل نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. [[1]]
لقد حقق ماسك هذا الإنجاز بفضل الطرح العام لأسهم شركة «سبيس إكس» مؤخرًا، وهو طرح لم يكن استثمارًا في شركة تُقدَّر قيمتها بأكثر من تريليوني دولار، رغم الخسائر المتوقعة، بقدر ما كان استثمارًا في شخصية ماسك نفسها. فالمستثمرون لا يشترون الأسهم استنادًا إلى الأرباح الحالية، بل يشترونها اعتمادًا على ثقتهم في حكمته، ورؤيته، وقدرته على توجيه الحكومات والأسواق والرأي العام وفقًا لإرادته.
وسيرى معظم من يُسمّون أنفسهم ليبراليين في هذا الأمر نموذجًا صارخًا للرجل السيئ. لكن يجدر التذكير بأن هذا المنطق ظل يحكم الاستثمار في رواد الأعمال؛ فحتى أولئك الذين يعانون من جنون العظمة منهم كانوا- ولعقود طويلة بعد سقوط جدار برلين- من أهم الركائز الأساسية لليبرالية العالمية.
وفي عام 2014، نشرت صحيفة «ذي أوبزرفر» مقالًا عن ماسك بعنوان «نجم وادي السيليكون الجديد»، أشادت فيه بتأثيره على الممثل روبرت داوني جونيور في تجسيد شخصية توني ستارك في سلسلة أفلام «الرجل الحديدي» الهوليودية. وهذا أمر مفهوم؛ إذ يجسد ماسك فضائل طالما أعجب بها كثيرون، ومن بينهم الليبراليون، مثل الطموح، والابتكار الجذري، وروح المجازفة، والنظرة المستقبلية. غير أن علاقة وادي السيليكون بماسك وبالليبرالية كانت دائمًا علاقة مشروطة، إذ لم تكن تنجح إلا عندما تتوافق أهداف الطرفين.
وبطريقة ما، لا تعكس ثروة ماسك الهائلة حجم قوته الحقيقية؛ فهو يمارس نفوذًا عميقًا في الحروب من خلال خدمة الإنترنت «ستارلينك»، ويؤثر في الخطاب العام عبر امتلاكه منصة «إكس» (تويتر سابقًا)، كما يسعى إلى رسم مستقبل البشرية من خلال شركة «سبيس إكس». لقد عادت نظرية «الرجل العظيم» في التاريخ، وعادت معها التصورات التي أنتجتها. وكما اعتقد رجال الصناعة في العصر الفيكتوري تفوّقهم على غيرهم، يعتقد كذلك ماسك ورفاقه في قطاع التكنولوجيا أنهم طبقة متفوقة، مقدر لها أن تعيد تشكيل المجتمع. وهذا ليس مروقًا عن نظام سليم، بل هو نتيجة مباشرة للرأسمالية الصناعية الجامحة.
ويشير دوغمور إلى أن سيسيل رودس، رجل الأعمال الإنجليزي ورئيس وزراء مستعمرة الكاب في جنوب أفريقيا، كان يؤمن بأن الإمبراطورية تؤدي مهمة حضارية. وقد أصبحت فلسفته القائمة على «المساواة في الحقوق لجميع البشر المتحضرين» المخطط الأساسي لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، البلد الذي وُلد فيه ماسك، والذي وصفه والده بأنه «لم يكن نظامًا قمعيًا». وفي المقابل، يتحدث اليوم كبار رجال التكنولوجيا، وفي مقدمتهم ماسك، عن «تحسين الحضارة»، و«إنقاذ البشرية»، واستعمار المريخ.
ويحتل المريخ في مخيلة ماسك مكانة تماثل المكانة التي احتلتها أفريقيا في مخيلة رودس؛ فكلاهما يُنظر إليه بوصفه حدودًا مفتوحة تنتظر الغزو والاستيطان وإعادة التشكيل. أما الآلية فهي مصالح ماسك التجارية. وكما قالت الصحفية كارين هاو مؤخرًا: «لقد عززت شركات الذكاء الاصطناعي نفوذها الاقتصادي والسياسي بصورة هائلة، وهي تفعل ذلك من خلال تهميش الأغلبية، وترسيخ سيطرتها على كل جانب من جوانب حياتنا». وعلى خلاف رودس، الذي احتاج إلى الجيوش ودعم الدولة البريطانية، يمتلك ماسك اليوم أداة أكثر فاعلية، هي المضخم الخوارزمي المتمثل في منصة «إكس» (تويتر سابقًا).
ويختتم دوغمور مقاله بالقول إن صعود ماسك لا يمثل انحرافًا عن الرأسمالية، بل هو أثر من آثارها الطبيعية؛ فالتركز الهائل للثروة والنفوذ لا يُنتج ليبراليين، بل يُنتج أفرادًا يتمتعون بثقة مطلقة في أحكامهم، ويتحررون من القيود الديمقراطية. إنها البيئة التي تُنتج الأوليغارشية. ولهذا، فإن ماسك ليس استثناءً، بل هو الدليل. فالصدمة الحقيقية ليست في أن إيلون ماسك يفكر بهذه الطريقة، أو في انشغاله الدائم بالحديث عن التراجع الديموغرافي، والمظالم العرقية التي يتعرض لها البيض، وانهيار الحضارة الغربية، وإنما في افتراض كثيرين أنه لن يفكر على هذا النحو أصلًا.
[[1]]https://www.newstatesman.com/comment/2026/06/elon-musk-is-the-bastard-heir-of-liberal-capitalism



