في مقالها المنشور مؤخرًا في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تحت عنوان “Israel Is Wondering if America Is Still on Its Side” (إسرائيل تتساءل: هل ما زالت أمريكا إلى جانبها؟) [[1]] تقول الصحفية: أنشال فوهرا إنه في الوقت الذي يتزايد فيه انتقاد الأمريكيين من مختلف الأطياف السياسية لإسرائيل، يناقش الإسرائيليون ما إذا كان العديد من قرارات واشنطن السياسية الأخيرة في الشرق الأوسط يضر بمصالحهم.
وقد تساءلت تعليقات في الصحافة الإسرائيلية عما إذا كانت الولايات المتحدة تعامل إسرائيل كولاية تابعة لها وليست دولة ذات سيادة مستقلة. ووفقاً لاستطلاع رأي حديث أجراه معهد الديمقراطية الإسرائيلي، يعتقد ما يقرب من نصف الإسرائيليين أن للولايات المتحدة “تأثيراً أكبر على القرارات الأمنية” من حكومتهم.
أما في الولايات المتحدة، فإن النقد الموجه لإسرائيل يتصاعد متجاوزًا الانقسامات الأيديولوجية. ووفقًا لمركز بيو للأبحاث، فقد ارتفعت الآراء السلبية تجاه إسرائيل بين الجمهوريين، وخاصة بين فئة الشباب، خلال السنوات الثلاث الماضية. كما أثار غضب المسيحيين الإنجيليين – الذين يُعتبرون تقليديًا أقوى فئة مؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة – قصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران، والذي يُنظر إليه على أنه خيانة للوعد بإنهاء “الحروب الأبدية”، تحت ضغط من إسرائيل.
ويبرز تحدٍّ أشدّ من قاعدة مؤيدي ترامب المعادين لإسرائيل. حيث شكك كل من تاكر كارلسون، المذيع السابق في قناة فوكس نيوز، وستيف بانون، المستشار السابق لترامب، والنائبة مارجوري تايلور غرين، في دعم الولايات المتحدة لإسرائيل. في مقابل ذلك، يستغل آخرون في أوساط مؤيدي ترامب هذا الاختلاف مع السياسة كذريعة لنشر تعليقات معادية للسامية. ففي أكتوبر/تشرين الأول، أجرى كارلسون مقابلة مع نيك فوينتيس، القومي الأبيض اليميني المتطرف، ومنحه منبراً. وقد أدلى فوينتيس بتصريحات معادية للسامية بشكل سافر، متهماً اليهود الأمريكيين برفض الاندماج، وأشار إلى “اليهودية المؤسسية” باعتبارها العقبة الرئيسية أمام الوحدة الوطنية في أمريكا.
ومما أثار استياء الأوساط الإستراتيجية الإسرائيلية أيضًا، أن ترامب استمع إلى الزعماء العرب الذين يطالبون بمزيدٍ من الأسلحة، وبمزيدٍ من الدعم الأمريكي لتحسين اقتصاداتهم، ونجحوا في منع ترامب من التخلي تمامًا عن التطلعات الفلسطينية.
كما أنه على بُعد حوالي 32 كيلومترًا من غزة، أنشأت الولايات المتحدة مركزًا للتنسيق المدني العسكري، حيث يوجد 200 جندي أمريكي وممثلون عن دول غربية مختلفة. وتكمن فكرة إنشاء هذا المركز اللوجستي في التخطيط للمراحل التالية من خطة ترامب للسلام، إلا أن هذا يضع السياسة الإسرائيلية وجيش الدفاع الإسرائيلي تحت أنظار القوى الأجنبية، ويُقيّد صلاحياتهما.
وقد برز الخلاف في العديد من المجالات السياسية الأخرى. حيث أثار قرار ترامب بيع طائرات مقاتلة من طراز إف-35 المتطورة للسعودية قلقًا واسعًا في إسرائيل. ورغم حرص إسرائيل على تطبيع العلاقات مع الرياض، إلا أنها لا ترغب في فقدان تفوقها العسكري النوعي في المنطقة. وقد أثار كذلك رفع ترامب العقوبات عن سوريا، وتأييده للرئيس أحمد الشرع، قلقًا في إسرائيل.
علاوة على ذلك، يُشكّل دعم ترامب لقطر وتركيا، اللتين تعتبرهما الولايات المتحدة لاعبين رئيسيين قادرين على التأثير في حماس، بينما تنظر إليهما إسرائيل على أنهما متعاطفتان معها، تحديًا كبيرًا. فبعد ما بدا اعتذارًا قسريًا من نتنياهو لقطر عن قصف قادة حماس في الدوحة، تُشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة تدعم الآن انضمام تركيا إلى قوة الاستقرار الدولية المُقرر نشرها في غزة، في حين ترفض إسرائيل قبول وجود قوات تركية برية.
لكن في المقابل، يرى البعض أن التصدعات في الدعم الأمريكي لإسرائيل مُبالغ فيها، وأن نتائج سياسة ترامب لا تزال تصبّ في مصلحة إسرائيل إلى حد كبير.
ومع ذلك، لا يُمكن إنكار أن ارتفاع عدد القتلى في غزة- حيث تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين 69 ألفًا- ووجود ائتلاف يميني في إسرائيل يدفع باتجاه ضم الضفة الغربية وتهجير الفلسطينيين، إلى جانب الخوف من دخول الولايات المتحدة حربًا أخرى ضد إيران نيابةً عن إسرائيل، إضافًة إلى تراجع الدعم لإسرائيل بين قاعدة ترامب المؤيدة لها أمور تدفع الأمريكيين- ولأول مرة- إلى التساؤل عن أساس الدعم الأمريكي لإسرائيل.
وفي مقابلة أجرتها ليزلي ستال مع برنامج “60 دقيقة” الشهر الماضي، قال جاريد كوشنر، صهر ترامب وأحد كبار مفاوضيه في شؤون الشرق الأوسط، إن ترامب شعر بأن “الإسرائيليين بدأوا يفقدون السيطرة على أنفسهم، وأن الوقت قد حان للتحرك بحزم ومنعهم من القيام بأمور لا تصب في مصلحتهم على المدى البعيد”. في ختام مقالها تقول فوهرا إنه ليس أمام إسرائيل اليوم أي خيار آخر إذا أرادت الولايات المتحدة إعادة توجيه سياستها الإقليمية دون وضع رغباتها في عين الاعتبار.
[[1]]https://foreignpolicy.com/2025/12/01/israel-trump-america-gaza-abraham-accords/



