في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «ذا نيشن» الأمريكية تحت عنوان “We Are Genocide Survivors. But Our War Is Far From Over” (نجونا من الإبادة الجماعية، لكن حربنا لم تنتهِ بعد) يقول علي سكيك، الصحفي الفلسطيني الشاب الذي مازال يدرس في السنة الجامعية الأولى، إن أهل غزة تغمرهم اليوم مشاعر متضاربة بعد وقف إطلاق النار عقب عامين من الإبادة الجماعية المتواصلة، فهم سعداء الآن بالصمت الذي أعقب القصف المكثف، إلا أن الحزن مازال يخيم عليهم جراء جراح الحرب الغائرة، ويتشابك الأمل والحزن بداخلهم اليوم وهم يبدؤون بالتعافي وسط أصداء الفقد والبقاء.
فقد قُتل حوالي 70 ألف شخص – حسب ما هو معلوم- خلال العامين الماضيين. ولا يزال الآلاف مدفونين تحت الأنقاض، ولا نعرف أسماءهم جميعًا. وهؤلاء ليسوا مجرد أرقام كما يقول سكيك؛ فهؤلاء عائلات بأكملها مُحيت من الوجود، وطلاب لن يعودوا إلى المدارس أبدًا، ومواليد جدد لم يتجاوزوا صرختهم الأولى. ويضيف: “هؤلاء جيراني، أصدقائي، أقاربي، أهلي. غزة ليست مجرد أنقاض الآن؛ إنها ذكرى وصدمة وأحلام محطمة يلفها الغبار والدم”.
ويروي سكيك:
“أمس، كنت في شقتنا الصغيرة شمال غزة، في حي الرمال، حيث أعيش أنا وعائلتي منذ أن دمر جنود الاحتلال منزلنا الأصلي. كنتُ قد انتهيتُ لتوي من إعداد الشاي، وكنتُ أستعد رغم كل شيء لامتحانٍ كان عليّ أداؤه عبر الإنترنت.
ثم أيقظت أختي هدى، البالغة من العمر 21 عامًا، مكالمة هاتفية. أخبرتها صديقتها أن وقف إطلاق النار سيبدأ الساعة 12 ظهرًا. “وقف إطلاق نار! وقف إطلاق نار!” هكذا صرخت، وصوتها يرتجف من عدم التصديق. ارتج المنزل بأكمله جراء ردود الفعل – ضحك بعضنا، وبكى بعضنا، وتجرأنا جميعًا على الأمل، ولو للحظة. قفز أخي عبد الرحيم، البالغ من العمر عشر سنوات، من فراشه ورقص في أرجاء الغرفة وهو يصرخ: “انتهت الإبادة الجماعية! سنأكل الدجاج أخيرًا!”.
لكن والدتي ظلت حذرة. قالت: “الله يعيننا. سيقصفوننا بكثافة قبل بدء وقف إطلاق النار”. وكانت مُحقة. فصباح ذلك اليوم كان من أكثر الأيام دموية حتى الآن.
حتى في خضم تلك الفرحة الخافتة، كنا نحزن على منزلنا وعلى من فقدناهم. ونحزن لأننا نجونا، والبقاء له ثقله. قلتُ لعائلتي: “كنا نقول خلال الحرب الوحشية إن حربًا أخرى ستبدأ بعد انتهاء هذه. لقد انتهت الآن – وإن حربًا أخرى قد بدأت.”
مشيتُ بين أنقاض حي الرمال لأجد مقهىً متصلًا بالإنترنت لأتمكن من التقديم لأداء امتحاني. كانت الشوارع مشوهة. المتاجر مُدمرة. المنازل أكوام من الرماد والفولاذ.
صادفتُ صديقي خالد السقا، 27 عامًا، الناجي الوحيد من عائلته بأكملها. عندما أخبرته عن وقف إطلاق النار، امتلأت عيناه بالدموع. سأل: “لماذا تُركتُ لأعاني وحدي؟!”. لم تكن لديّ إجابة. عانقته وهمست: “الله يقويك”.
وجدتُ مقهىً وقدمتُ امتحاني على وقع القصف.
الليلة الماضية، شنّت قوات الاحتلال موجةً أخيرة من الغارات الجوية. قُتل خلالها أكثر من 40 شخصًا لا تزال جثثهم تحت الأنقاض؛ ولا توجد معدات لانتشالها من قبل رجال الدفاع المدني.
***
إذا صمد هذا الاتفاق، ستُفتح المعابر، وسيعود الطعام إلى غزة. أخيرًا، ستعود الخضراوات والفواكه. سنُعدّ من جديد السلطة الغزية التقليدية – طماطم، خيار، فلفل أخضر، وليمون. سيعود الدجاج إلى موائدنا، وكذلك البيض. سنأكل دون أن نتساءل إن كنا سنستطيع شراء الطعام غدًا – أو إن كنا سنعيش لنرى الوجبة التالية.
سيعود غاز الطهي. لا مزيد من الاستيقاظ باكرًا لإشعال النار، والسعال على الدخان لساعات لمجرد غليان الشاي أو تسخين الخبز. لا مزيد من فرك أعيننا من الدخان الذي ملأ مطابخنا وصدورنا
وأخيرًا، سيلعب أخي الصغير عبد الرحيم كرة القدم مع أبناء عمومتي الصغار في الشارع دون خوف من غارة جوية أو رصاصة طائشة.
لأول مرة منذ شهور، قد أنام ليلًا – ورأسي على الوسادة، دون قلق إن كنت سأستيقظ حيًّا في صباح اليوم التالي.
سأدرس مجددًا – لا بخوفٍ وفرز مُفرط للإدرينالين (هرمون تفرزه الغدة الكظرية عند الانفعالات الشديدة)، بل بشيءٍ من السكينة.
لكن أزيز الطائرات الإسرائيلية المُسيّرة لن يتوقف. إنه أمرٌ مُستمرٌ في حياتنا، ذلك الضجيج المُروّع، ذلك التذكير اليومي بأننا لسنا أحرارًا حتى في غياب الإبادة الجماعية. أتساءل أحيانًا إن كان قدرنا أن نعيش تحت صوت “الزنّانة” إلى الأبد.
خلال الحرب، دفنّا أحبابنا وواصلنا الزحف، كنا في حالة نجاة. لم يكن لدينا وقتٌ للحزن. لم يكن لدينا وقتٌ للجلوس مع الحزن. كنا مشغولين جدًا بالعثور على الماء، وكيفية تأمين الطعام، وما إذا كنا سنتعرض للقصف في أي لحظة.
لكننا الآن ناجون من الإبادة الجماعية. انتهت الحرب، لكن الجنازات بدأت للتو. الحزن الذي حُرمنا منه ها هو الآن يخيم هنا، ونشعر بثقل كل اسم، وكل وجه فقدناه. نتصفح الصور والفيديوهات، وتطاردنا الوجوه المبتسمة التي لم تعد معنا، بينما الصمت يصرخ بصوت أعلى من صوت الصواريخ.
غزة مدمرة. لا مستشفيات لدينا، ولا مدارس، ولا جامعات. كنت طالبًا في السنة الأولى قبل هذه الإبادة الجماعية. لم أختبر الحياة الجامعية إلا لمدة أسبوع ونصف. الآن أدرس عبر الإنترنت، مثل كثيرين غيري، ولكن كيف يمكن للشاشة أن تحل محل ضحكات زملائنا، ورائحة المكتبة، وحلم المستقبل؟
مستشفياتنا لا تفتقر إلى الإمدادات فحسب، بل تفتقر إلى الأطباء. فقدنا أبطالًا مثل الدكتور عدنان البرش. فقدنا رواة قصصنا والعديد من صحافتنا مثل أنس الشريف، الذي لم يعد معنا ليخبرنا أن الحرب قد انتهت.
لكننا نجونا. وكما هو الحال في الأدب، لا بد من وجود ناجٍ ليروي قصة الموتى. نحن، من نجا من الموت، نحمل على عاتقنا واجب الذاكرة. نجونا لنروي أسماء الشهداء، ولنشارك قصصهم، ولنحافظ على أصواتهم حية.
لا يزال الكثيرون في عداد المفقودين. اختفى أكرم رجب، ابن صديق والدي، البالغ من العمر 21 عامًا، قبل أسبوعين أثناء فراره من تل الهوى. لا أحد يعلم هل هو موجود على قيد الحياة أم مدفون تحت الأنقاض.
الآن، ولأول مرة منذ شهور، بدأنا بانتشال الجثث. لكن انتشال كل من فُقد تحت الأنقاض، وتأكيد وفاته سيكون أسوأ كابوس لعائلته.
نعم، توقفت الإبادة الجماعية. ونأمل أن تنتهي المجاعة قريبًا. لكننا ما زلنا واقفين بين الأنقاض. لقد زالت المباني، والأسوأ من ذلك، هو أن أساس حياتنا قد تصدع. سنعيد البناء؛ علينا ذلك؛ فنحن مدينون لمن رحلوا.
سيعيد أعمامي فتح سوبر ماركت العائلة. سأعمل هناك مجددًا. كان ذلك المكان يعج بالحياة يومًا ما – المسلمون والمسيحيون يمرون به في الصباح الباكر قبل العمل، والأطفال يضحكون في طريقهم إلى المدرسة. رحل الكثير من هؤلاء الناس والأطفال الآن. لن أرى أحمد ورشا العرعير مجددًا – الصغيران اللذان كانا يحملان حقائب ظهر أثقل من أكتافهم.
سأذهب لتناول الشاورما في المطعم التايلندي. وسأعود إلى نشاطي المفضل: النزهات المسائية الطويلة على شاطئ البحر، وهو أمر لم أفعله منذ عامين. سأمشي من غروب الشمس حتى طلوع القمر، مستمعًا لصوت الأمواج وضحكات الأطفال وهم يلعبون على الرمال. لكنني سأفعل ذلك بدون ابن عمي وصديقي العزيز وأخي، عبد الوهاب، الذي قُتل في ديسمبر 2024 عن عمر يناهز 28 عامًا؛ كل خطوة ستحمل ذكراه.
سنرحب بعودة أحبائنا الذين فروا إلى الجنوب، لكنهم لن يعودوا جميعا؛ حيث قتل الجيش الإسرائيلي الكثيرين ممن التمسوا الأمان فيما يسمى “المناطق الآمنة”. من بينهم عائلة يوسف، ابن عم والدي. فقد أصابت غارة جوية منتصف ليل 28 سبتمبر 2025 الشقة المجاورة لشقتهم بينما كانوا يستعدون لنصب خيمة. وقُتلت زوجته نداء، وابنته رؤى، 18 عامًا، وابنه حمود، 11 عامًا، ذو الشعر الأصفر المجعد. وقد نجا يوسف، إلى جانب ابنته آية، 21 عامًا، التي أصيبت بكسر في الساق والحوض، وعبود، 17 عامًا، الذي يتذكر سماعه أنفاس والدته الأخيرة.
***
يُمثل وقف إطلاق النار هذا نهايةً للقنابل والقصف الشامل والدبابات والطائرات الحربية، ولكنه بدايةٌ لاختبارنا الأعظم: حرب إعادة البناء. إعادة بناء منازلنا ومدارسنا ومستشفياتنا وحياتنا. إعادة بناء أملنا وكرامتنا وقوتنا. إعادة بناء مستقبلٍ في مكانٍ حاول قتلنا مرارًا وتكرارًا.
سنتذكر الشهداء الذين قضوا وهم يُعلّمون، ويُغطّون الأخبار، ويعالجون، ويُربّون، ويحاولون النجاة. سنحمل ذكراهم كالنار في قلوبنا. وسنبدأ من جديد.
الحرب الحقيقية هي الآن. حرب الشفاء. حرب التذكر. حرب رفض النسيان. حرب البدء من جديد. حرب السعي وراء أحلامنا.
البقاء على قيد الحياة ليس النهاية؛ بل هو بدايتنا.”



