حلاقة الرأس عمل نعمله نحن الرجال كثيرا، ويندر أن نهتم به ولا أن نفكر فيه فضلا عن أن نكتب عنه؛ أول معرفتي بحلاقة الرأس أو حين وعيت بذلك، كان في القرية، وعرفت هناك ما يسمونه مِزْيَنَة، سكين حادة أو يحدونها جيدا، وهذه التسمية قد تكون جاءت من اسم الحلاق إذ لا يسمونه قديما حلاقا، بل يسمونه “مُزيِّن” وهو الذي يحلق الشعر والحلاقة عندهم زينة، أما النساء فكن الغنيات منهن في غير قريتنا يذهبن إلى “الماشطة” وفي بعض بلدان الخليج يسمونها المشّاطة، وقد تعاظمت هذه التجارة في العقود الأخيرة. كان المزينون يبلّون الشعر بالماء ثم يبدأ بالحلق، وعادة يكون الحلاق من أهل البيت أو من الجيران، ولا يتقاضى إلا الشكر على عمله، وكثيرا ما يفعل ذلك الآباء فيحلقون رؤوس أبنائهم، وكان والدي منهم إلا إني لا أذكر أنه جرب في رؤوسنا إلا المُوْس أو (المُوسَى) الحديث، رأفة بنا ولطفا منه رحمه الله، أما من كان من الرجال متعلما فإنه يتعلم الحلاقة في رؤوس من لا يستطيع أن يجد قريبا أو حلاقا محترفا، وفي القرى مثل يدور ولعله في أكثر من مكان وبلد، يزنّون به من يتعلم عملا ويستغل به حاجة المحتاج ، فيقولون: “يتعلم الحلاقة في رؤوس الأيتام” لأنه سوف يُجرّحهم ويؤذيهم ولا مدافع عنهم.
وكان في القرى بعض الغلمان من أعمارنا ممن كانت أمهاتهم لا يغسلن رؤوسهم فتتكاثر الأقذار والقمل حتى تتجرح جلود رؤوسهم فيما يسمونه آنذاك بال: “صَيَد” ومن أعرف من هؤلاء كان آباؤهم وأمهاتهم موجودين بل أحيانا أغنياء بمقاييس القرى، ولكنهم لا يهتمون للأسف بأطفالهم. وقد بحثت في كتب اللغة عن معنى تلك الكلمة (صَيَدْ) وهل يلتقي اللفظ مع ما كنا نسميه فوجدت ما يدل أو يقترب من ذلك المتعارف عليه عندنا قديما.
وقد عانيت كغيري من الذين كان يحلق لهم آباؤهم أو أقاربهم رؤوسهم، حتى بالموس الحديث، فالألم موجع، هذا لو خرجت من العملية بدماء قليلة، وجروح صغيرة. وكان الحلاق محترفا، ففي بعض البيئات تجتمع عنده مهنة الحلاقة والختان، وفي القرى الناس غالبا من أصول واحدة متساوون وينضج أحدهم في حرفة فيتميز بها، فكلاهما (الحلاقة والختان) نتاج معرفة وخبرة، والآلة “المزينة” واحدة، وما كان أبي يحترف أيا من هذه الحرف، لعل ذلك بسبب شممه وتعاليه، ولما انتقلنا للمدينة فكان من التطور المدني أن نذهب للحلاق، فلأول مرة نعرف الحلاق الحديث الذي عنده آلة لقص الشعر لا تؤلم، يا لها من تجربة خالدة سعيدة، حلاقة بلا ألم، ثم من وقتها لم نرجع إلى الحلاقة القديمة، أما حلاقة الذقن أو اللحية، فما كان والدي يقبله من أحد، بل كان يشن حملات عليهم كلما لقيهم ومنهم أقارب كثيرون، أما أولاده الخمسة فلم يحلق أحد منهم لحيته، وتفاوتوا بين موفِّرٍ ومُنهك.
ثم مرت أعوام طويلة قبل الاطلاع على الكثير من ثقافة الحلاقين، فعرفت أنهم من أهم مصادر المعلومات العامة في المجتمع، وأن منهم جواسيس، إذ يرتاح الشخص الذي يذهب للحلاق في الحديث مع من يعتني بشعره وربما رأى بعضهم في إطالة الوقت عند الحلاق المزيد من الاهتمام. وأحيانا يكون من الجواسيس بعض سائقي التكاسي (سيارات الأجرة) وحراس البنايات وفي بعض البلدان حراس السيارات. وحين اطلعت على كتاب أحمد البديري الحلاق الدمشقي، صاحب كتاب حوادث دمشق اليومية، وهو الذي أرخ لدمشق وحوادثها لمدة إحدى وعشرين سنة من ١١٥٤هـ إلى ١١٧٥هـ تقريبا ١٧٤١- ١٧٦٢م واسم عائلة الحلاق الدمشقيين قديم ومنهم علماء وتجار، ولا يلزم من لقبه أنه كان حلاقا، بل تدل كتابته على غير ذلك، فكان الكتاب ممتعا؛ حيث كان يسمع أخبار الناس وحوادث البلد ثم يعود فيكتب ما بلغه من حوادث، فترك لنا نصا تاريخيا اجتماعيا ممتازا عن زمانه وما جرى في دمشق وأحوالها آنذاك.
أما نحن سكان الخليج هذا الزمان، فمحرومون من ثقافة حلّاق البلد، فالحلاق هندي ولا تجمعنا لغة إلا إنجليزية رديئة، وقد جربت أحدهم ولطول بقائه في الدوحة فقد كان يمارس ثقافة الحلّاق، ويتحدث العربية بجرأة، وقد سبق أن اتفقت مع سائق هندي كان عندي ألا يتحدث عني مع أحد، ثم مرت الأيام وعاد السائق إلى الهند وزرت بعدها الحلاق نفسه، فإذا هو يتحدث عن كل صغيرة وكبيرة يعرفها السائق عني، فإذا بالحلاق كان مستودع سر سائقي، وفي ختام حديثه سألني لماذا لا تأذن لسائقك بالعودة للعمل معك فهو رجل طيب وذكي؟ وما كان عندي أي نية لذلك، وقد اقتنعت بواحدة من حِكم الناس السيارة بأن من فارقت لا تستعده.
وحين كنت في نحو الثالثة والعشرين سألني حلاق عن عمري؟ فقلت كم تقدر؟ فزادني عشر سنين كاملات، وفسرت قوله بالصدق ولأنه وقتها كان في رأسي شيب ولعل معه بسبب ذلك شبه حق. أما في أمريكا وقد تعودت أن أذهب زمنا لحلاق عجوز أمريكي في مدينة آن آربر، وقد كنت سعيدا وقتها أن عرفت بعض الإنجليزية، فكان مما تحدثت معه أهمية اللغات، وفاجأني بأن أخرج دولارا من جيبه، وقال: هذه لغتي العالمية. وكان كغالب الحلاقين يتحدث كثيرا، فذكر لي بعض أساتذة الجامعة المشاهير من أصول عربية كانوا يذهبون إليه؛ وكان مبلغ الحلاقة في ذلك الزمان أربعة دولارات، ونعطيه الخامس إكرامية، ثم ذهبت لولاية كولورادو، وتعرفت على كثير من الناس فيها، وكان السعر المتوسط هناك في أواخر الثمانينيات هناك سبعة دولارات، وإن كنت كريما فتكمل للحلاق عشرة، وعرفت صديقا بل قريبا يهتم كثيرا بمظهره، وذهبنا للحلاق فطلب ثلاثة وعشرين دولارا على الرأس، وتدفع ثلاثة دولارات إكرامية فيأخذ على رأسينا خمسين دولار، ثم من بعد يوم أو يومين قال لي صديق: نعيما، أين حلقت؟ فذكرت له إني ذهبت مع فلان لنحلق قال لي: أكيد هو لن يحلق رأسه بأقل من عشرين دولارا أو أكثر؟ فقلت صحيح، فسخر مني ومن زميلي الذي لا يعرف إلا الأماكن الغالية. ثم إني بعد كل القراءة عن الحلاقين حاولت أن أصمت عند الحلاق، وألا أتحدث، وإن جهلني كنت أسعد بجهله بي.
ختاما لعلك سوف ترفع رأسك بعد قراءة هذا النص قائلا: موضوع تافه، ربما ولكنك لن تنساه، ولهذا كتبناه.




(موضوع تافه) أبدا ليس تافه
(ولكنك لن تنساه)، ولماذا لا انساه؟ بأمارة إيه كما يقول اخوتنا المصريين ونحن في زمن ننسى فيه اسمائنا؟
الموضوع ليس تافها كما وصفته لكنه ليس لافتا او ثرياً لدرجة ألا ينسى
جميل جدا. قليل من الكتاب او المفكرين تخطر على باله هكذا فكره لكن الكاتب المتمكن الواثق من نفسه يبحث في ادق تفاصيل المجتمع الذي يعيش فيه ومشكور دكتور محمد على هذه المقاله الجميله الممتعه حقا مشكور جدا على هذه اللفته الطيبه