عوني المشني[[1]]
ترجمة التحرير
ستنتهي حرب غزة، كما تنتهي كل الحروب في نهاية المطاف. ولكن تداعياتها وعواقبها ستكون فريدة من نوعها، سواء من حيث طبيعتها أو مدى عمقها.
وبغض النظر عما إذا كان وقف إطلاق النار وشيكًا أو إلى متى ستستمر الحرب، فإن معالم نهايتها بدأت تتشكل بالفعل، كما أن الصورة قد اتضحت لما سيجري بعد ذلك.
يجب على أهل غزة أن يتحملوا الحياة على أنقاض بيوتهم، ويواجهوا التعرض للبرد والجوع. ومن المؤكد أن إطالة أمد الحرب من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم معاناتهم، ولكنه لن يغير بشكل كبير المسار العام للصراع.
على المستوى السياسي، ستشمل النتائج المباشرة إضعاف إسرائيل لحماس عسكريًا، مما قد يجبر الحركة على تغيير استراتيجياتها. وقد تفقد حماس بنهاية المطاف السيطرة على غزة، وسيستغرق الأمر سنوات لإعادة بناء هيكلها التنظيمي.
ولكن هذه ليست كامل القصة. فبغض النظر عن تدمير غزة، لا تستطيع إسرائيل أن تتجاهل القضية الفلسطينية باعتبارها المحرك المركزي للمشهد السياسي في الشرق الأوسط.
فقد أكدت هذه الحرب بلا شك أن القضية الفلسطينية لا يمكن تجاهلها من خلال التدابير الأمنية، ولا من خلال التطبيع العربي مع إسرائيل. وقد أشار الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات إلى أنه لا يمكن أن يكون ثمة أمن أو سلام دون انتزاع الفلسطينيين لحقوقهم الوطنية؛ وهذه المعادلة ما تزال قائمة إلى اليوم.
إلى جانب معركتها ضد حماس، حاربت إسرائيل لأكثر من عام لتهجير الشعب الفلسطيني من غزة – لكنها فشلت في تحقيق هذا الهدف. ومن خلال استهداف المستشفيات والمدارس والجامعات والمنازل وإمدادات المياه والطاقم الطبي والصحفيين، حاربت إسرائيل مقومات الحياة بحد ذاتها في غزة. ولكن حتى يومنا هذا، ما يزال الشعب الفلسطيني هناك.
هذا فشل أيديولوجي واستراتيجي وأخلاقي من جانب إسرائيل؛ إذ فشل المشروع الصهيوني الديني والقومي اليميني في تحويل غزة إلى “أرض بلا شعب”.
هذا الفشل يتردد صداه في الضفة الغربية المحتلة وخارجها. ولكن في حين أن إسرائيل قد تكون اعتبرت غزة أرض اختبار لسياساتها، فإن ثمة شكوكاً جدية في إمكانية نشوء مثل هذه الفرصة في الضفة الغربية. وحتى لو حدث ذلك، فمن المؤكد تقريباً أن هذه الفرصة سوف تفشل.
إن فشل خطة إسرائيل لدفع الفلسطينيين إلى الخروج من غزة، على الرغم من التكاليف الهائلة التي تكبدتها، يعني أن إسرائيل لن تكون قادرة على تجنب مواجهة الواقع الفلسطيني سياسياً. والفلسطينيون أيضاً سيستخلصون استنتاجاتهم الخاصة بعد الحرب. فقد شهدوا عبثية المفاوضات، التي سمحت بالوقت لمزيد من التوسع الاستيطاني الإسرائيلي وسرقة الأراضي. ورأوا أيضًا كيف أرست أعمال المقاومة المندفعة الأساس لحرب إبادة جماعية غير مسبوقة.
وقد دفع هذا العديد من الفلسطينيين إلى التفكير في وسائل بديلة للمقاومة. ويشير التاريخ إلى أنه عندما تبدو كل الطرق مغلقة، فإن الفلسطينيين يعثرون على وسيلة للمضي قدمًا. فبعد طردهم من لبنان في عام 1982 على سبيل المثال، كانوا رواد “الانتفاضة” كشكل غير مسبوق من أشكال النضال.
اليوم، ومع إغلاق الأبواب، سيجد الفلسطينيون مساراً جديداً ومبتكراً، قد يتخذ شكل “الصمود الإيجابي” والتركيز على المثابرة والبقاء في وطنهم.
هذا النهج واسع النطاق، يشمل أدوات متعددة للمقاومة، ولديه القدرة على حشد كل طاقات الشعب الفلسطيني. وهو نهج صامد في مواجهة الصدامات المدمرة، ويتجاوز عبث المفاوضات التي لا تنتهي.
وبينما لم يتشكل هذا النموذج بالكامل بعد، ثمة أصوات فلسطينية تدعو إلى استكشاف إمكاناته.
أما بالنسبة للمنطقة، فإن القوى ذات المصالح الراسخة لم تعد قادرة على تحمل آثار هذا الصراع غير العقلاني، الذي يهددها بشكل مباشر.
فقد فقدت إيران محور نفوذها. وفقدت الولايات المتحدة هيمنتها على البحر الأحمر. ورأت روسيا أن قواعدها في سوريا غير مستقرة. وتتعرض دول الخليج لضغوط محسوبة وغير متوقعة. وقد أطلقت تداعيات هذه الحرب كذلك العنان لمخاطر وتغييرات هائلة.
ولهذا السبب، أصبح الحل السياسي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني ضرورة دولية، على الرغم من المصالح المتباينة والمتضاربة. ورغم أن هذه العملية سوف تستغرق وقتاً طويلاً، على نحو يسمح للقيادات السياسية على الجانبين بالنضوج، فإن المسار سوف يكون مسارًا لا رجعة فيه، حتى ولو كان التقدم بطيئاً.
وقد تطغى “النجاحات” الإسرائيلية في سوريا أو لبنان وتهيمن على المشهد في أعقاب حرب غزة مباشرة. ولكن في الشرق الأوسط، حيث التغيير هو الشيء الوحيد الثابت، قد يتحول المد بسرعة، كما حدث في أعقاب حرب عام 1982.
وفي حين أن الوضع الحالي أكثر تعقيدًا بلا شك، فثمة العديد من الجوانب المجهولة، بما في ذلك التداعيات الاجتماعية والنفسية الأطول أمدًا على الشعب الفلسطيني. لقد خلق سقوط نظام الأسد في سوريا حالة من عدم اليقين الإضافية، وما يزال من غير الواضح كيف سيتردد صدى صراع غزة في مصر والأردن في السنوات القادمة.
لا توجد إجابات واضحة لهذه الأسئلة ولا تداعيات عميقة على مستقبل المنطقة. ولكن ثمة شيء واحد مؤكد: لن يكون العصر الذي يلي السابع من أكتوبر 2023 هو نفسه الذي سبقه.
فبمجرد أن يستقر غبار الحرب، ستبدأ التحولات الأوسع في الرأي العام في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة في الظهور سياسياً. إن أي شخص يراهن على الوقت لاستعادة صورة إسرائيل كضحية أو واحة ديمقراطية سوف يخسر بلا شك. إن حجم الإبادة الجماعية هائل للغاية. وباعتبار هذا الحدث تحولاً جيلياً، فإن دعم إسرائيل سوف يصبح وصمة أخلاقية على جبين السياسيين.
إن هذا التغيير ليس ببعيد، وسوف يترك أثاره على السياسات الإسرائيلية. ففي حين لا تعطي إسرائيل الأولوية للرأي العام العالمي وتركز فقط على الدعم الأميركي، فإن الولايات المتحدة لا بد وأن تهتم بالرأي العام العالمي، لأنها تهتم بنفوذها في مختلف أنحاء العالم. ولهذا السبب، لا بد وأن تأخذ في الحسبان المواقف العالمية ــ ليس من منطلق الاعتبارات الأخلاقية، بل بسبب مصالحها الإستراتيجية.
وفي الوقت نفسه، ففيما يتعلق بالشعب الفلسطيني، فإن نتائج هذه الحرب، وكل الألم والمعاناة والموت والوحشية الناجمة عنها، سوف تكون غير قابلة للقياس. وبعد تخلي العالم عن الشعب الفلسطيني لصالح سياسات الإبادة الجماعية والتعذيب والتجويع التي انتهجتها إسرائيل، فإن العقلية الفلسطينية سوف تتغير.
ماذا سوف ينتج عن هذا، وكيف سوف يؤثر على البنية السياسية الفلسطينية؟ هذه أسئلة حتى الخبراء في علم النفس وعلم الاجتماع السياسي سيجدون صعوبة في الإجابة عنها.
ولكن هل يدفع الدمار الفلسطينيين إلى الاستسلام لعبودية الاحتلال، أم أنه سيغذي سعياً لا هوادة فيه إلى الانتقام؟ وهل يمحو الزمن مرارة الإبادة الجماعية والتجويع؟ من المبكر جداً أن نتكهن.
عندما تنتهي الحرب، ربما تكون إسرائيل قد حققت مظهر النصر ــ ولكن من منظور استراتيجي، فإنها لم تنتصر.
[[1]]https://www.middleeasteye.net/opinion/gaza-war-what-will-happen-after-bombs-fall-silent



