عام 2006 دعيت إلى محاضرة في مجلس الأمير تركي بن طلال (أمير أبها لاحقا) وقدمتها بحضور والده، وكنت قد خيرتهم بين ثلاثة عناوين منها عنوان: الحرية، فاختاروا هذا العنوان. وعندما حضرت، وجدت قاعة كبيرة جدا وجمعا كبيرا حاضرين، منهم مثقفون مشاهير من أمثال حسن العلوي وحسن الصفار وتوفيق السيف الذين لقيتهم لأول مرة، وبعد نهاية المحاضرة بدأت التعليقات والأسئلة، فكان منها تعليق للأستاذ حسن العلوي إذ كان يرى في الحرية أنها الفوضى، فرددت عليه بما أعرف من حجج التفريق، فقال: الحرية هي ما يحدث في العراق الآن، إنه هو الحرية، ووقتها كانت العراق تسودها الفوضى والقتل والنهب بين الغزاة والمقاومين والفصائل المختلفة، فلما كرر وأكد وأنكر جميع ما قلت عن فضيلة الحرية قلت معقبا: إن الشيء الذي كنت تبحث عنه وتركت العراق من أجله حيث لم تجده فهاجرت زمن صدام هو ما نسميه الحرية، ثم سكت كل منا عن الجدل بعد أن تناول التعليق أستاذ العقيدة صابر طعيمة، فعدل الميزان وأشاد كثيرا بالمحاضرة.
وتلك المحاضرة كنت كتبت فصولا منها منذ زمن بعيد وقدمت بعضها في مدن ومناسبات عديدة، ونشرت مقتطفا منها في مجلة أواصر الفصلية.[1] وقد جمعت لتعريفها أشتاتا من التعريفات، غير أني وجدت أثناء البحث تلخيصا لرأي الفيلسوف محمد عزيز الحبابي، وكان مما ساقه صعوبة تعريف الحرية إذ يراها انطلاقا من القيود، وفي حال عرّفناها فقد قيّدناها، وكأننا بهذا نعرفها بضدها، بينما هي متحركة لا تقبل تقييدا، كان هذا تقريبا من الأسباب الأساسية لتجنبه للتعريف، وذلك أنه قارن بين الهوية والحرية فرأى في الهوية ثباتا وفي الحرية تحركا.[2]
فالحرية فضيلة يستكمل بها الإنسان فضائله وإنسانيته، ولكونها تشمل مجالات كثيرة في الحياة، فإن من السهل الحديث عن ضرورتها لشتى جوانب الحياة، تماما كما يمكن أن يكون لها سلبيات، ومع كل طرف يأخذ بها حججه لها أو ضدها، وأكثر من يهتم بها من فقدها.
يرى الحبابي أن “التحرر” هو تعريف أولى من كلمة “الحرية”، فالتحرر يوحي بأنه عمل مستمر ومطلوب ويمكن تنفيذه بخلاف من يرى الحرية منجزا نهائيا جامدا يولد مع الإنسان نابعا من ذاته. وبهذا عنون كتابه: من الحريات إلى التحرر. ويرى الحبابي في بيت شوقي:
وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرّجة يُدقّ
وقبله:
بني سوريّة اطرحوا الأماني وألقوا عنكم الأحلام ألقوا
بأن عملية التحرر مجرد حرية تتحقق بجهد يفضي إلى فتح الباب ثم لا نعرف ما بعده، أو كأن كسر الباب الاستعماري غاية، والذي يبدو لي أن الاستقلال في ذلك الزمن كان غاية، ولأن العرب آنذاك كانوا يرون في الاستقلال من الاستعمار الغربي هو الخلاص من المستعمر، الشر الأعظم؛ ولم يتخيلوا أنهم بذلك كمن “يستجير من الرمضاء بالنار”، وقد فروا من الاستعمار الخارجي ليقعوا فيما هو شر منه، الاحتلال المحلي، وما رأينا في سوريا لم يحدث زمن الاستعمار الخارجي، وكان شوقي وقتها يخاطبهم بتأييد عملهم للتحرر من الفرنسيين، ولم يخطر ببال شوقي ماذا سيكون من بعد طرد الفرنسيين.
ذلك أن الحرية مفهوم وعبارة متصلة بزمانها، وبظروف من يتحدث عنها، ففي زمن الاستعمار تخلص منه، وفي أزمان أخرى تخلص من قيود مختلفة، وأهم ما تنتج الحرية هي ثقة الإنسان بنفسه، وببلده وبقومه، وإذ يرى الحبابي بأنه “لن يتحقق تحرر الإنسان إلا في جو من الثقة بالإنسان، وفي الأمل بالمستقبل.”[3] فالتحرر وصولا إلى الحرية المستمرة عمل دائب. إذ الحرية كما هي عمل دائب فهي ذات علاقة وثيقة بحال الفرد، فالحرية عند الفقير تحرر من العوز، وعند الخائف تحقيق الأمن، وعند المُستعبد تحرر من العبودية، فهي دائما قابلة للوصف المتصل بالحالة الفردية، أو بالجماعية، ومع ملاحظة تعدد جوانبها فهي عمل مستمر، لا يقف عند مكسب واحد، ويخطئ من يفرح بموجة تحرر قد تكون عارضة وحصلت دون ضمانات، أو بسبب سعي شخص أو مجموعة للتحرر فلما حصلت توهمنا أنها مسألة منجزة تامة، وقد لا نتنبّه إلى أن المحرِّر نفسه قد يتحول قريبا أو بعد زمن إلى مُستعبد آخر للجموع التي توهمت أنه حررها.
ويعرف برغسون الإنسان الحر بأنه: “الإنسان المنسجم تمام الانسجام مع ذاته”[4] وهذا رأيه في ذاتية الحرية وانبثاقها من الفرد ذاته أي فطرية وأنها ليست عملية مكتسبة تحتاج نضالا للحصول عليها من الخارج. وينقل مصباحي رأي الحبابي في تعريف برغسون بأنه: “تعريف سكوني، ولكونه يعزو الحرية إلى الذات المظلمة.”[5] ثم يعقب مصباحي بأن كلام برغسون أقرب للواقع العربي القائم الآن، حيث إن إنسان عالمنا “لا هم له إلا أن يبدد ذاته وألا يكون هو نفسه ولا منسجما مع ذاته، وأن يرتمي في أحضان غيره من زمن الانحطاط.”[6] [راعيت بقاء عباراته كما هي]
والذي يبدو لي أن الإنسان في عالمنا قد تم تحطيمه بوسائل شتى، منها التأويلات والتصرفات السياسية والدينية والاقتصادية، وفي كل جانب مما سبق تم تقديم تأويلات تصرف الإنسان من ضرورة تحرر ضميره وحياته عموما، وبسبب ذلك فقد إنساننا حتى الحرص على أن يحصل على حريته، إن لم تكن قد أصبحت مذمومة عنده، وقد لاحظت ذلك بعد عودتي من الغرب الذي عشت فيه ردحا من حياتي قارب عقدين من الزمان، وقد قلت لصديق سأل عن حالي الفكري حينها: “إني ما زلت أحاول خفض رأسي منذ رجعت لأنسجم مع ما حولي”. ومع ذلك فإني أعاني، ولعلي فهمت مبكرا أن الشذوذ عن المجتمع بالمطالبة بمزيد من الحريات تجعلك في المجتمع الخاضع الخائف منفردا ومعزولا، إن لم تكن مكروها وربما تتكالب عليك الحملات الإعلامية التي تتهمك بالخروج على الإجماع، وكأن إجماع الخائفين على التنازل عن حريتهم هو الموقف الصحيح المقبول في مجتمعاتنا.
وأما الارتماء في حضن الغير فملاحظة صحيحة فإن من لم يحقق حريته بنفسه ويعمل على تحقيقها ووجودها المستمر فسوف يسعى لأن يكون جزءا من غيره ممن يراهم قد تعالوا عليه بتحقيق حرياتهم، فهم أقوى عنده ولهذا فهم أحرار يحسن اللجوء لهم، وكأن مطلب الحرية لا يليق به وليس من شانه.
يلخص مصباحي فلسفة محمد عزيز الحبابي في الحرية بقوله: “الحرية التي ناضل من أجلها الحبابي غير قابلة للانشطار إلى حرية فردية وحرية جماعية، إلى حرية حقوقية وحرية سياسية، وحرية وجودية وحرية اقتصادية… طالب الحرية الفردية أن تقوم بمبادرات لتحديث الأنظمة الثقافية والاجتماعية والسياسية والإيديولوجية والدينية… ربط الحرية بالتوتر والصراع والمواجهة لقوى التقليد والطغيان سعيا وراء التجاوز، واستجابة لنداء المستقبل… لم يكن يقول بأن التراث كله ركام من الضلالات والأخطاء، وإنما كان ينادي بالتحرر من الجوانب السلبية والمظلمة فيه… من هنا جاءت صرخته:” فإما أن نغير العالم، وإما أن نندثر.”[7]
ولذا فإن الغرق في التعريفات لا يقيد الحرية فقط، بل يجعل الموضوع يهرب من أيدينا، حين نأخذ منه جزءا ونؤخر أو نترك الجوانب الأخرى، وكم كان صادقا في دعواته التي بعضها يكاد أن يستجاب لها وتولد اليوم في أجزاء من عالمنا.
[1] https://bit.ly/4iH1BYd ، مجلة أواصر، العدد الخامس – 2019، ص 7- 18.
[2] سبق أن نشرت مقالا بعنوان: الصراع بين الهوية والحرية. https://bit.ly/4gorgmY
[3] المصباحي، محمد. جدلية الحرية عند محمد عزيز الحبابي، ص.69-121، راهنية الشخصية الإسلامية، ندوة فكرية حول محمد عزيز الحبابي، أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، 2018، ص. 105.
[4] مصباحي، المصدر السابق، ص. 104.
[5] مصباحي، المصدر السابق، ص. 104.
[6] مصباحي، المصدر السابق، ص. 104.
[7] مصباحي، المصدر السابق، الصفحات: 109، 110، 111.



