صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات سنة 2021 كتاب بعنوان “تاريخ موجز للعلمانية” لصاحبه غرايم سميث، ترجمة مصطفى منادي إدريسي. يمثل الكتاب وجهة نظر جديدة حول العلمنة والعلمانية مخالفة للتصورات الكلاسيكية، فالعلمانية ليست نهاية الدين المسيحي وليست الإلحاد، بل العلمانية التعبير الحديث عن المسيحية الجديدة )ص. 14 (. فالمسيحية لم تنته ولم تمت، بل الأخلاق الليبرالية والأخلاق الغربية الحديثة ما هي إلا إرث للدين المسيحي، حيث الليبرالية طريقة مسيحية في الالتزام بالأخلاق.
يقع الكتاب في 276 صفحة من القطع المتوسط، يضم سبعة فصول أهمها: الأخلاق المسيحية المعاصرة، العلمانية الغربية، التقانة الجديدة، قرسطوية معاصرة، مجتمع الأخلاق.
1. منهجية الباحث:
يعتمد الباحث على المنهج الكيفي والكمي معاً، حيث يوظف الإحصائيات السوسيولوجية المعاصرة ليوضح أن لدى الغرب معتقدات دينية لم تمت، لكن بدون الانتماء لكنيسة معينة، “ففي بريطانيا سنة 2001 ما يزيد قليلا عن 70 في المائة عرّفوا أنفسهم أنهم مسيحيون، وقد كشفت دراسة القيم الأوربية أن 77 في المائة من الأوربيين أفادوا أنهم يؤمنون بالله؟ ” ) ص 77)، لكن فقط 10 في المائة من يترددون إلى الكنسية في الولايات المتحدة يوم الأحد حسب إحصائيات 2000.
بهذا يتجاوز الباحث مفهوم العلمنة الكلاسيكية التي كانت تعني نهاية الدين وظهور الإلحاد، متأثرة بثنائية إما العلمنة أو الإيمان الديني، وهي الثنائية المتضمنة في الفكر العربي المعاصر نتيجة التشوهات التي تعرضت لها العلمانية، لكن يمكن للعلمانية والدين أن يتعايشا جنباً إلى جنب.
يعتمد الباحث بالإضافة إلى المنهج الكمي على المنهج التاريخي وذلك بتتبع الحقب الأولى للصراع بين العلمانية والكنيسة المسيحية، ويتتبع مسار التطور الذي عرفته الديانة المسيحية، حيث ظلت المسيحية بالنسبة له دائمًا ديانة ذات هوية مرنة ومتكيفة مع الظروف الاجتماعية، كما حافظت على جوهرها ولم تفقده، والمُحدد في وجود فئات واسعة من المتدينين تسعى لتعميد أبنائها وفئات أخرى تتزوج من داخل الكنيسة وأخرى تطلب المغفرة وأخرى تطلب الفتوى في مسائل خاصة مثل الإجهاض والعلاقات الرضائية. ثم انفصال الأخلاق المسيحية عن العقيدة كان أهم حدث ثقافي وفكري في عصر التنوير.
العلمانية الغربية: ما معنى وصف الغرب بأنه علماني؟
يتجاوز الباحث التعريفات التقليدية للتدين والنقاشات حول مقياس التدين والثابت والمتغير منه، فعندما يوصف الغرب بأنه علماني يكون المقصود: “الأول، يعرف بفكرة العلمنة ويزعم أن المسيحية المؤسساتية في تراجع. فقد قل عدد الذين يترددون إلى الكنيسة أيام الآحاد، كما قلت أعداد المنتسبين إليها. وهناك أناس أقل يتجهون إلى الكنيسة حين يريدون الزواج، أو تعميد أولادهم، أو دفن أحبتهم. وإذا حدث واستشيروا، ففي موضوع واحد محدود يتعلق بالأخلاقيات الشخصية”.) ص16 (. ليقدم تعريفاً للتدين بناءً على المنهج التأويلي الهرمينوطيقي انطلاقاً من المعنى الذي يعطيه الفاعل الاجتماعي لأفعاله، حيث “يؤكد بروس أن الناس عندما يقولون إنهم يؤمنون بالله لا يقصدون أكثر من أنهم يعتبرون أنفسهم أشخاصاً لطفاء وطيبين. فجزء من إحساسهم الشخصي بما هو أخلاقي يحتوي على الإيمان بالله”. )ص 78 (
ظهرت العلمانية في الغرب عندما اكتسبت البشرية ذهنية سليمة وصارت راشدة وناضجة فرمت بالمعتقدات الدينية في جانب، حيث أصبحت هذه الأخيرة من الماضي ومن الطفولة. لكن دون أن تفقد الجانب الأخلاقي في المسيحية. والنتيجة أن المجتمع الغربي العلماني هو المجتمع الذي انتهت فيه هيمنة الدين في المجال العام، تلك الهيمنة التي كانت تتم في السابق بهيمنة الكنيسة، لكن لم يتم الاستبعاد الكلي للمسيحية بل تأقلمت بشكل جعلها تبقى ذات مكانة وإن لم تكن هي مصدر المعرفة الإنسانية.
في المجتمعات الغربية؛ في النقاشات العامة والحوارات بين الأصدقاء والزملاء لا يتم الاهتمام بمعتقد التكفير عن الذنب ولا بمغزى الأخرويات أو بتطوير فكرة الثالوث، إنما يكون الاهتمام بدلاً من ذلك بتداول العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، كما أن هذه الأوساط تقلقها قضايا الصحة والعدالة الجنائية والبيئة والأمن الاقتصادي أكثر مما يقلقها الخلاص الأخروي.
ويخلص الباحث انطلاقا من كل هذا إلى تعريف جديد للعلمانية؛ بكونها طريقة في التفكير في العالم والحياة لا تقوم على معتقدات فوق طبيعية “ما ورائية”، بل على أسباب عقلية تنتمي لهذا العالم وليس خارجه. حيث يمكن تحقيق البحث العلمي والسعي وراء الحكمة من دون الرجوع إلى ما هو إلهي غيبي: إذ يمكن للبشر أن يتعلم بعضهم من بعض ومن نظام الطبيعة.
2. التقانة الجديدة:
لقد تعرضت المسيحية والكنيسة للهجوم من مختلف النواحي وفي كل المجالات، مما شكل سيرورة وفهماً معيناً للعلمنة تم اختزاله في ثنائية الإيمان والعلمانية. “لقد ظهر الصراع ابتداءً مما لقنه أنكساغوراس أن الشمس لم تكن الإله هيليوس الذي يقوم برحلته اليومية الطويلة عبر السماء، وإنما في الواقع صخرة حمراء ملتهبة. كما أن القمر تكون من الأرض وهو يعكس ضوء الشمس. واستطاع كُتاب التنوير مثل فولتر أن يهزؤوا بحدة وطرافة من ادعاءات رجال الدين الفرنسيين وغطرستهم. بينما شك هيوم في الأدلة التي تدافع عن وجود الله، وأذاع نيتشه أن الله قد مات، وأنه قتل على يد إنسان، وبشكل أكثر حدة، نادى نتشه بإرادة تكون أقوى من أخلاق الرق المسيحية. وقد أكد فيورباخ، الذي أثر كثيرا في ماركس، أن الله كان فكرة من صنع الإنسان، في حين رأى ماركس نفسه أن الدين مجرد صديق للطاغية وعزاء زائف للمضطهد. ثم جاء المسمار الأخير الذي دقه فرويد في النعش المسيحي، إذ قدم تفسيره السيكولوجي العلمي لظهور الدين”. )ص 44 (
لقد تغيرت الأوضاع بين الدين والعلم ابتداءً من عصر الأنوار فلم يعد ما فوق الطبيعة وسيلة تفسير مؤثرة في المجال العام، من تلك اللحظة بدأ الاعتقاد الديني يفقد الصدقية، عكس العلوم الطبيعية والاجتماعية التي أصبحت أكثر تفسيرية وفهماً للعالم. فالعلم ليس وهماً، بل يمتلك القدرة على تفسير الواقع وتجهيز الإنسان للسيطرة عليه، وهو ينجز هذا بشكل أفضل من الدين. لقد عملت العلوم الجديدة مع بداية القرن التاسع عشر مثل البيولوجيا والأنثروبولوجيا وعلم الفلك وعلم تحسين النسل وعلم النفس من تهميش الدين، فتكتسب نظرية داروين للتطور ونظرية الانفجار العظيم من الصدقية الفكرية أكثر مما لقصص الخلق الواردة في سفر التكوين من كون الأرض خلقها الله في ستة أيام.
في مقابل هذا التراجع للدين فإن المجتمع العلماني الغربي المعاصر لم يعرف الإلحاد، فالذين يعرفون أنفسهم أنهم ملاحدة أو ينتمون إلى منظمات مثل المجتمع العلماني أو الجمعية الإنسانوية الأمريكية عدد منخفض جداً. ورد في دراسة القيم الأوربية لعام 1999/2000 أن ما معدله 5 في المائة من الأوربيين هم من عرفوا أنفسهم بأنهم ملاحدة.
3. قروسطوية معاصرة:
يقدم الباحث دراسة مطولة للمجتمعات التقليدية التي ازدهرت فيها المسيحة، ليخلص إلى وجود سمات مشتركة بين الهوية الدينية الغربية المعاصرة ومسيحية العصور الوسطى، بحيث يتميز المجتمعان على حد سواء بوجود معرفة مهمة بالتدين الشعبي، ويشترك معظم السكان في هذه المعرفة. وكثيرًا ما تفتقد المؤسسة قيمتها وأهميتها، لكنها تظل مصدرًا قويًا بالنسبة إلى الناس في سعيهم إلى الاطمئنان والأمن. فالأخلاق في المجتمع القروسطي تهتم كثيراً بالضعيف والفقير، ولا يزال هذا الاهتمام الأخلاقي قائمًا حتى بعدما ضعفت ممارسة الدين في المجال العام، فالتدين الشعبي في العصور الوسطى يختلف عن العقيدة الأرثوذكسية الرسمية للكنيسة وعن المؤسسة اللاهوتية الأكاديمية، فهو تدين متصالح مع الواقع ومتعايش معه. لهذا لا أخلاق للمجتمع الغربي إلا في ضوء التراث المسيحي.
4. مجتمع الأخلاق:
رغم أن الليبيرالية تعلي من قيمة الأنانية والفردانية ومهتمة بالمصلحة الذاتية أكثر، وهي قيم أخفقت في أن تقدم للناس فكرة أكيدة عن أسس الخير العام، فإن الدين يزود الناس بالأخلاق التي يحتاجون إليها. فالإيمان بالله لم يختف من المجتمع، لقد تعايشت الذهنية العلمية باستمرار مع الإيمان بالله، بل تشكلت لدى معظم الناس ذهنية مزدوجة تجمع الدين والعلم، “إن ما يعنيه هذا أن الفرد في التقليد الليبيرالي ليس عديم القيمة. فالأفراد الليبيراليون، والذين يعيشون في مجتمع ديمقراطي، جزء من تقليد. علاوة على ذلك، فهم يتلقون عادات ومهارات معينة”. )ص .256 (
يتفوق العلم على الدين من الناحية الوظيفية والحياة الإنسانية ويقدم تفسيراً أفضل للواقع، “ومع ذلك لم يطور العلم حتى الآن منهجاً أخلاقيا ملائماً. لهذا لم يستطع العلم أن يقوم مقام المسيحية في ميدان الأخلاق. )ص 63 ( لقد جاء العلم لاحقاً ولم يشكل في البداية تهديداً للمسيحية، لقد كان العلماء العظماء الأوائل ديكارت وكيبلر وغاليلي ونيوتن رجالاً متدينين، ولم يتخيلوا أن أفكارهم سوف تدفع الله في النهاية خارج المجال العام.
في الأخير يمكن القول إنه عندما يسعى المجتمع الغربي أن يكون علمانيًا، فإنه يظل معتمداً على أفكار ومصادر مسيحية، فالمسيحية ما فتئت تتمتع بحضور متواصل داخل المجتمع العلماني الغربي.



