توقع العديد من الاقتصاديين بحسب صحيفة “فايننشال تايمز” أن يكون عام 2022 فترة انتعاش اقتصادي قوي بعد أزمة جائحة كورونا، ولكن ظهر الآن أن ثمة ركود تضخمي “Stagflation ” يلوح في الأفق، بعد الصدمة المزدوجة لكوفيد 19 والغزو الروسي لأوكرانيا، حيث تجاوزت معدلات التضخم التوقعات، وقفزت إلى أعلى مستوياتها منذ عقود في العديد من البلدان، وتدهورت توقعات النمو الاقتصادي. [[1]]
شهدت سبعينات القرن الماضي أزمة مشابهة خلال أزمة حظر النفط العربي بعد اندلاع حرب أكتوبر\ تشرين الأول بين مصر وسوريا وإسرائيل؛ حيث خلقت تداعيات الحظر النفطي فترة طويلة من الصعوبات الاقتصادية، إذ قفز التضخم إلى معدلات مضاعفة بالتزامن مع ركود اقتصادي في جميع أنحاء العالم، وتعرف هذه الظاهرة التي تمثل مزيجا مؤلما من ارتفاع الأسعار المصحوب بنمو اقتصادي منخفض باسم “الركود التضخمي” (Stagflation). [[2]]
أدت الضربة المزدوجة لجائحة كورونا والحرب إلى فرض ضغوط غير مسبوقة على إمدادات السلع والخدمات في جميع أنحاء العالم اليوم، وارتفعت الأسعار إلى أعلى مستوياتها منذ عدة عقود في العديد من البلدان، من بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ومنطقة اليورو، بعد أن أدى الوباء إلى تعطيل سلاسل التوريد والإمداد. وقد فاقمت الحرب الحالية من هذه المشاكل؛ حيث تنتج روسيا وأوكرانيا كميات كبيرة من الغاز والنفط والقمح والأسمدة وغيرها من المواد، مما دفع أسعار الطاقة والغذاء إلى الارتفاع، خاصة في أوروبا. يشير إندرميت جيل (نائب رئيس البنك الدولي للنمو المتكافئ والتمويل والمؤسسات) في هذا السياق إلى إن هذه هي: “أكبر صدمة سلعية نشهدها منذ سبعينيات القرن الماضي”. [[3]]
بحسب ديفيد مالباس (رئيس البنك الدولي) فإنه على الرغم من اقتصار الحرب على أوروبا، فإن آثار الحرب الحالية بين روسيا وأكرانيا “باتت ملموسة في جميع أنحاء العالم حيث يؤثر ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء على الفئات الأكثر ضعفاً، لاسيما في إفريقيا والشرق الأوسط”.[[4]]
في السياق نفسه تشير صحيفة الجارديان البريطانية إلى أن إغلاق الصين للمراكز الاقتصادية الكبرى مثل شنغهاي، بعد انتشار موجة جديدة من عدوى كوفيد- 19، قد تسبب في مزيد من الاضطرابات في سلاسل التوريد والنقل. ولكن حتى من دون هذه العوامل المهمة السابقة قصيرة الأجل، فإن التوقعات على المدى المتوسط ستكون قاتمة. بسبب العديد من الأسباب التي تدعو للقلق من أن الركود التضخمي سيصبح سمة مستمرة من سمات الاقتصاد العالمي في الفترة المقبلة، مما ستنتج عنه معدلات تضخم أعلى، ونمو أقل، وركود متوقع في العديد من الاقتصادات.[[5]]
منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، شهد الاقتصاد العالمي تراجعًا للعولمة وعودة إلى أشكال مختلفة من الحمائية، بسبب ضغط العوامل الجيوسياسية والدوافع السياسية المحلية في البلدان التي تضررت مجموعات كبيرة من السكان فيها من العولمة. علاوة على ذلك، ستستمر الشيخوخة الديموغرافية في الاقتصادات المتقدمة وبعض البلدان الأخرى (مثل الصين وروسيا وكوريا الجنوبية) في تقليل المعروض من العمالة، كما أن رد الفعل السياسي والاقتصادي المستمر ضد الهجرة في الاقتصادات المتقدمة سيقلل بالمثل من المعروض من العمالة ويمارس ضغطًا تصاعديًا على الأجور؛ بعد أن ساعدت الهجرة على نمو الأجور على نطاق واسع لعقود من الزمان في الاقتصادات المتقدمة، لكن يبدو أن تلك الأيام قد ولت بحسب ما تشير الجارديان.[[6]]
الحرب الباردة الجديدة بين الولايات المتحدة والصين ستنتج كذلك تأثيرات تضخمية واسعة النطاق، حيث ستؤدي المواجهة الصينية الأمريكية إلى تجزئة الاقتصاد العالمي، وبلقنة سلاسل التوريد، وتشديد القيود على التجارة في التكنولوجيا والبيانات والمعلومات – وهي عناصر أساسية لأنماط التجارة المستقبلية بحسب الصحيفة البريطانية. وسيلعب تغير المناخ كذلك دورًا في “الركود التضخمي”، حيث سيؤدي الجفاف إلى إتلاف المحاصيل، ورفع أسعار الغذاء، وستعمل الأعاصير والفيضانات وارتفاع منسوب مياه البحر المتوقع على تدمير الأصول الرأسمالية وتعطيل النشاط الاقتصادي. [[7]]
[[1]]https://www.ft.com/content/d490ef4e-3187-471e-84ff-9c065871a1a5
[[5]]https://www.theguardian.com/business/2022/apr/25/world-stagflation-covid-ukraine-inflation-growth



