في الذكرى العشرين لوفاة المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو (1 أغسطس\ آب 1930، 23 يناير\ كانون الثاني 2002) نشرت صحيفة لوموند ديبلوماتيك مؤخرًا مقالًا للأخير تحت عنوان ” The essence of neoliberalism” (جوهر النيوليبرالية)، يتناول خلاله بورديو الليبرالية الجديدة، الأيديولوجية المهيمنة في هذا العصر، التي يصفها بأنها ليست إلا برنامجًا لتدمير الهياكل الاجتماعية التي تعيق منطق السوق الخالص.[[1]]
في مقاله، يقول بورديو إن النيوليبرالية تميل بشكل عام إلى فصل الاقتصاد عن الحقائق الاجتماعية، ويشير إلى أن تلك “النظرية” التي تمّ نزع الطابع الاجتماعي عنها، وتم فصلها عن جذورها التاريخية أيضًا، باتت أكثر قدرة على تقديم نفسها كنظرية سليمة وقابلة للتحقق. ويشير إلى أن المشروع السياسي الضخم للنيوليبرالية يهدف إلى خلق الظروف التي يمكن في ظلها تحقيق نظريته السياسية، وأن هذه الظروف ليست سوى “برنامج للتدمير المنهجي للمجموعات” على حد تعبيره.
ينتقد بورديو ظروف العمل في السياسات النيوليبرالية المعولمة، حيث يجري تعيين الموظفين بعقود محددة المدة أو على أساس مؤقت، وتجري إعادة هيكلة متكررة للشركات، وتسود المنافسة بين الأقسام المستقلة داخل كل شركة، وبين الفرق التي تُجبر على أداء وظائف متعددة، وينتقد كذلك امتداد تلك المنافسة إلى الأفراد أنفسهم، من خلال إضفاء الطابع الفردي على علاقة الأجور. وما يترتب على ذلك من تفتيت للعمال وجمعيات الدفاع عن حقوقهم والنقابات والجمعيات والتعاونيات؛ حتى الأسرة تفقد جزءًا من سيطرتها على الاستهلاك من خلال إعادة تشكيل الأسواق حسب الفئات العمرية. بهذه الطريقة؛ ينشأ بحسب بورديو عالم دارويني، حيث نضال الجميع ضد الجميع على جميع مستويات التسلسل الهرمي، في ظل ظروف من انعدام الأمن والمعاناة والتوتر التي تجسد بحد ذاتها حالة من العنف الهيكلي.
بحسب بورديو، إن التأثيرات الفورية التي تحدث على إثر تنفيذ تلك اليوتوبيا النيوليبرالية أو بالأحرى “الديستوبيا” هي: ليست فقط فقر شريحة كبيرة ومتنامية من المجتمعات، والنمو غير العادي في الفروق في الدخل، والاختفاء التدريجي للإنتاج الثقافي المستقل، على صعيد الأفلام وصناعة النشر، من خلال فرض القيم التجارية على تلك الصناعات. ولكن أيضًا وقبل كل شيء تظهر تلك التأثيرات عبر اتجاهين رئيسيين. الأول هو تدمير جميع المؤسسات الجماعية القادرة على مواجهة آثار تلك الآلة الجهنمية، ثانيًا، فرض نوع من الداروينية الأخلاقية في كل مكان بدءًا من أروقة الدولة وصولاً إلى البيئة الداخلية لعمل الشركات.
بحسب بورديو يتم الانتقال إلى هذا النوع من “الليبرالية” بطريقة غير محسوسة مثل الانجراف القاري، وبالتالي يتم إخفاء آثارها عن الأنظار. ويقول إن أفظع العواقب في هذا السياق هي تلك التي تترتب على المدى الطويل. ولكن تلك التأثيرات بعيدة المدى نفسها، وللمفارقة، هي تأثيرات خفية أيضًا. يُحذر بورديو كذلك من اختفاء أشكال التضامن القديم، ويقول إن احتياطيات رأس المال الاجتماعي التي تحمي جزءًا كاملاً من النظام الاجتماعي مقدر لها أن تذبل إذا لم يتم تجديدها وإعادة إنتاجها.
في ختام مقاله يدعو بورديو التجمعات والجمعيات والنقابات والأحزاب أن تولي مكانة خاصة لـ “الدولة التي تستطيع فرض ضرائب على الأرباح المحققة في الأسواق المالية، وتقدر على السيطرة عليها بشكل فعال. وقبل كل شيء، مواجهة التأثير المدمر الذي تحدثه الأسواق المالية على سوق العمل.



