في دراسته المنشورة حديثًا تحت عنوان: «The Prophet Muḥammad’s Covenant with Yūḥannah Ibn Ru’bah and the Christians of Aylah » [[1]] (عهد النبي محمد مع يوحنا بن رباح ونصارى آيلة ) يسعى عبد الرحمن أبو المجد الباحث في الجامعة الإسلامية في مينيسوتا بالولايات المتحدة الأمريكية إلى إعادة قراءة عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع يوحنا بن رباح صاحب آيلة (بالقرب من العقبة الحالية في الأردن) في ضوء المفاهيم المعاصرة للتعددية الدينية والحقوق المدنية، ويحاول أن يثبت من خلال قراءة تلك المعاهدة وعدد من المعاهدات الأخرى مع القبائل النصرانية العربية، رغبة النبي عليه الصلاة والسلام في منح الحقوق لجميع الناس بغض النظر عن الدين أو العقيدة.
يشير أبو المجد إلى أن تلك المعاهدات لم تحظ بالقدر الذي تستحقه من الاهتمام، وإلى أن أمثلة التعددية الدينية والدبلوماسية الدولية السلمية نادرة في تاريخ العالم، وهي أكثر ندرة في تاريخ الشرق الأوسط. ويقول إن القليل من العلماء قد تطرق إلى عهد آيلة، التي تقدم نموذجًا فريدًا للتعددية الدينية في أفضل أشكالها على حد تعبيره، وركز أغلبهم على وثيقة المدينة فإن.
يستخدم أبو المجد المُعاهدة المشار إليها أعلاه كإطار تحليلي لفحص رؤية النبي صلى الله عليه وسلم «للأمة المسلمة»، ويُفترض في هذا السياق أنه كانت ثمة شراكة تكافلية أقوى بين المسلمين والمسيحيين في الماضي بخلاف ما كان يُعتقد سابقًا، ويشير إلى أن العودة إلى معاهدات النبي صلى الله عليه وسلم تشير إلى إمكانية ترسيخ التسامح الديني في المجتمعات ذات العقائد الدينية المختلفة.
يقول أبو المجد إن يوحنا بن رباح كان مسيحيا عربيا وقائدا عسكريًا قاده حدسه السليم في طلب الصلح من المسلمين، وأنه ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك وطلب كتابة معاهدة سلام. ويشير إلى أنه أحضر هدايا للنبي ودخل معسكره بصليب ذهبي كبير معلق في صدره وعصا في يده. ويقول إن النبي محمد لم يأمره بنزع الصليب أو مصادرته. بل رحب به وكرمه وأمر مؤذنه بلال بن رباح الذي كان مسيحيًا قبل اعتناقه الإسلام بالبقاء في خدمته طوال فترة إقامته.
يقول أبو المجد أن العهد ليس طويلاً، ويُعزي هذا إلى طبيعة الوثائق المكتوبة في ذلك الوقت، وإلى أنه كانت هناك ندرة في مواد الكتابة، وإلى أن التقليد الشفهي كان هو الغالب عند العرب. ثم يورد نص الصلح:
«”بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِهِ أَمَنَةٌ مِنَ اللهِ، ومُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللهِ لِيُحَنَّةَ بْنِ رُؤْبَةَ وَأَهْلِ أَيْلَةَ، سُفُنُهُمْ وَسَيَّارَتُهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ لَهُمْ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ، وَأَهْلِ الْبَحْرِ، فَمَنْ أَحْدَثَ مِنْهُمْ حَدَثًا فَإِنَّهُ لاَ يَحُولُ مَالُهُ دُونَ نَفْسِهِ.. وَإِنَّهُ طَيِّبٌ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنَ النَّاسِ.. وَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ أَنْ يُمْنَعُوا مَاءً يَرِدُونَهُ، وَلاَ طَرِيقًا يُرِيدُونَهُ مِنْ بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ». [[2]]
يشير أبو المجد إلى أنه على الرغم من أن العهد لا يذكر صراحة أي شيء عن دمج مجتمع يوحنا النصراني في المجتمع الإسلامي «الأمة» إلا أنه يفعل ذلك ضمنيًا من خلال تصنيف سكان آيلة على أنهم يخضعون لذمة الله وحمايته. ويعكس هذا –بحسب فهمه- كامل الفهم الإسلامي للتعددية الدينية، أي وعد المسلمين أمام الله بحماية هؤلاء، وفهم أي انتهاك للصلح أو العهد على أنه انتهاك لشريعة الله.
نشير ختامًا إلى أن الباحث يؤكد أنه في ضوء الاضطرابات السياسية والدينية العالمية، أصبح المؤرخون وعلماء الدين ملزمون الآن أكثر من أي وقت مضى بالعودة إلى فهم جذور التعددية الدينية ووجودها في المناطق التي كانت متنوعة عقائديًا لقرون وأن عهود النبي محمد صلى الله عليه وسلم تعد مصدرًا يمكن الاعتماد عليه لتشجيع المسلمين على التسامح مع الأشخاص الذين يؤمنون بأديان أخرى. وأن قوة هذه العهود تكمن في كونها نصوصًا إسلامية موثوقة المصدر، تتماشى مع التفسير الشامل لمجموعة النصوص الإسلامية – أي القرآن والحديث النبوي- ويشير إلى أن هذه المعاهدات قد تبدو متعارضة مع آيات قرآنية أخرى أو أحاديث متعلقة بالجهاد تم إخراجها من سياقها، إلا أن تلك العهود تتماشى تمامًا مع الإطار الأكبر للمبادئ الإسلامية المتعلقة بالحضارة والعلاقات بين المسلمين وغير المسلمين.
[[1]] https://www.mdpi.com/2077-1444/12/6/450
[[2]] ابن هشام: السيرة النبوية 2/525، 526، وابن سيد الناس: عيون الأثر 2/258، وابن القيم: زاد المعاد 3/466.



