في دراستهم المنشورة حديثًا تحت عنوان « Authoritarianism, Democracy, Islamic Movements and Contestations of Islamic Religious Ideas in Indonesia »(الاستبداد والديمقراطية والحركات الإسلامية وصراعات الأفكار الدينية الإسلامية في إندونيسيا)، يسعى كل من جريج بارتون وإحسان يلمظ ونيكولاس موريسون إلى رسم صورة مركبة عن الأفكار الدينية الإسلامية في السياسة والمجتمع الإندونيسي طوال القرن العشرين، بدءًا من إعلان الاستقلال في عام 1945 حتى عام 2001، وإلى رصد التأثير الاجتماعي والسياسي كذلك للعلاقات بين ثلاثة تيارات إسلامية رئيسية في هذا البلد (التيار الحداثي، والتقليدي، والحداثيون الجدد).[[1]]
تناقش الدراسة الجذور الفكرية لمختلف تلك الحركات الإسلامية، وعلاقاتها مع الجمعية المحمدية وجمعية نهضة العلماء (NU)، وتأثيرها على السياسة الإندونيسية، وتفاعلها مع الدولة. كما تبحث الدارسة في الطرق التي تشكلت بها السياسة الإسلامية السائدة في إندونيسيا، أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم، عبر تتبع المسار التاريخي للصراعات والتناقضات بين الحداثيين والتقليديين.
في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، أدت الخلافات إلى حدوث انشقاق داخل حزب «ماسيومي» الحزب الإسلامي المهيمن في البلاد، وأدى ذلك إلى مغادرة التقليديين المنتسبين لجمعية نهضة العلماء لتأسيس حزب منفصل. وقد تزامن هذا التحول المحافظ مع صراع النخبة السياسية على تعريف إندونيسيا كدولة ودور الدين فيها. وفي تلك الظروف المشحونة قام الرئيس سوكارنو بحظر حزب ماسيومي، وفرض حالة من “الديمقراطية الموجهة” كبديل سلطوي ناعم للديمقراطية الحقيقة يغطي على واقع الاستبداد المدعوم من الجيش.
خلال العقود الأربعة التي تم فيها قمع الديمقراطية في إندونيسيا، كانت الجمعية المحمدية ونهضة العلماء والمنظمات غير الحكومية والنشطاء والمثقفين المرتبطين بها بمثابة العمود الفقري للمجتمع المدني، وقدموا دعمًا حاسمًا للمبادئ غير الطائفية في صميم الدستور الإندونيسي، المعروفة باسم «Pancasila» (بانتشاسيلا)، وهي عبارة عن خمس مبادئ صاغها الرئيس الإندونيسي الأسبق سوكارنو كعقيدة سياسية لدولته حديثة الاستقلال لجمع الإندونيسيين على مختلف مشاربهم الدينية تحت مظلة سياسية ودستورية واحدة، وهي:
1- الإيمان بإله واحد؛
2- العدالة والتحضر الإنساني؛
3- وحدة إندونيسيا؛
4- ديمقراطية تسترشد بحكمة الإجماع الناشئ عن المداولات بين الممثلين السياسيين؛
5- العدالة الاجتماعية لجميع أفراد الشعب الإندونيسي. [[2]]
في الثمانينيات ظهرت حركة الحداثة الجديدة التي كان في طليعتها المفكر الإسلامي نورشوليش مجيد، بالإضافة إلى عبد الرحمن وحيد (رئيس مجلس إدارة جمعية نهضة العلماء)، وقدمت فهماً منفتحًا وشاملاً وتقدميًا للإسلام متصالح مع الحداثة، يؤكد على التعددية، وعلى الحاجة إلى التسامح والوئام في العلاقات بين الطوائف. وفي هذا السياق عمل الإسلام الإصلاحي الجديد الداعم للديمقراطية والإصلاح في إندونيسيا على دحض الفكرة القائلة بأن الإسلام لا يتوافق مع الديمقراطية والتعددية.
ساعد التفاعل بين الإسلاميين التقليديين والحداثيين، وعلاقتهما مع الدولة، في تحديد طبيعة السياسة الإندونيسية. ففي الوقت الذي أجبر سوكارنو النواب الإسلاميين في البرلمان على قبول دستور غير طائفي، عمل حزب ماسيومي من جانب آخر، ومن خلال دوره في تشكيل الدستور وكتابة ديباجته، على الحيلولة دون إنشاء دولة علمانية بالكامل معادية للدين. وانتهى الدستور في هذا السياق كحل وسط بين القوى العلمانية والإسلامية (وحلفائهم المتدينين غير الإسلاميين في البرلمان).
وخلال الثمانينيات والتسعينيات، لعبت الجمعية المحمدية وجمعية نهضة العلماء (NU) دورًا رئيسيًا في المساعدة على الحفاظ على قوة ونشاط المجتمع المدني خلال المراحل الأخيرة من الديكتاتورية، وفي مساعدة البلاد لاحقًا على الانتقال إلى الديمقراطية. وعلاوة على ذلك، ساعدت الجمعيتان المسلمين الإندونيسيين على قبول فهم تقدمي للإسلام وشكل ليبرالي نسبيًا للديمقراطية يحترم الحريات الدينية وحقوق الأقليات.
ختامًا، تخلص الدراسة إلى أنه في الوقت الذي مارس فيه القوميون العلمانيون الاستبداد والديكتاتورية، والاستغلال التعسفي القانون، والقضاء على حرية التعبير، وملاحقة الجماعات الإسلامية والحرية الدينية، لعب الفاعلون الإسلاميون في المقابل دورًا مهمًا أكثر إيجابية في السياسة والمجتمع، ولعبت الحداثة الإسلامية الجديدة خصوصًا دورًا مهمًا في التاريخ الإندونيسي الحديث، وقدمت للإندونيسيين بديلاً ديمقراطيًا تعدديًا للقومية العلمانية الاستبدادية والإسلام الراديكالي على حد سواء؛ وهو ما يثبت أن الإسلام يمكن أن يكون رافعة قوية ليس للعدالة الاقتصادية والاجتماعية وحسب، بل رافعة كذلك للتعددية الديمقراطية، وحرية الدين، وحماية الأقليات.



