في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية تحت عنوان “Los Angeles, Donald Trump and the moronic inferno” (لوس أنجلوس، ودونالد ترامب، وجحيم الحماقة) [[1]] يقول الكاتب الأمريكي لي سيغل إنه كما يتوق فلاديمير بوتين لاحتلال أوكرانيا، فالظاهر كذلك أن دونالد ترامب يتوق لاحتلال أمريكا؛ حيث أمر الأخير بإرسال 4000 من أفراد الحرس الوطني؛ بالإضافة إلى 700 من مشاة البحرية الأمريكية، إلى كاليفورنيا لقمع الاحتجاجات هناك ضد الاعتقال العشوائي للمهاجرين الذين يُحتمل أنهم غير شرعيين.
ويبدو أن تصرفات ترامب ستستفز المتظاهرين إلى مستويات من العنف لم تشهدها أمريكا منذ أعمال شغب حركة “حياة السود مهمة” عام 2020. وربما كان هذا هو مقصود الرئيس ترامب. إضافةً إلى ذلك يُعدّ قرار ترامب برفض طلب حاكم الولاية بنشر هذه القوات أول إجراء رئاسي من نوعه منذ أن أرسل ليندون جونسون جنودًا فيدراليين إلى ألاباما عام 1965، حيث كان ذلك لحماية المتظاهرين من أجل الحقوق المدنية، وليس لمهاجمتهم. ولكن يبدو أن عدم وجود سابقة من مثل هذا القرار لن يُقيد الرئيس الحالي.
في الحقيقة ليس لدى ترامب ما يخسره من أي فعل يفعله، سواء من العنف الذي يُطلقه في كاليفورنيا، أو من خلافه المُغطى مع إيلون ماسك، مستشار ترامب وداعمه حتى وقت قريب، والذي يحظى بتعليق واهتمام مُفرطين. من ناحية أخرى، فإن ماسك باعتباره أغنى رجل في العالم، لا يدخل في هذا النوع من المخاطرات، حيث تبلغ قيمة ثروته ما يقرب من 400 مليار دولار، وقد يخسر مليارات قليلة إذا ألغى ترامب عقوده الفيدرالية. ولكنه في الواقع قد خسر أكثر من ذلك بكثير بعد أن انخفضت قيمة شركاته في الأسواق المالية بفضل تحالفه مع ترامب.
قد يبدو انفصال أقوى رجل في العالم عن أغنى رجل في العالم أمرا جديرا بالاهتمام، لكن فكرة أن السياسة الأمريكية ستتغير جذريًا في ضوء هذا الانقسام هي فكرةٌ سخيفة، بحسب قول الخبراء مرارا وتكرارا، فماسك، الذي لا يحظى بشعبية كبيرة يفتقر إلى المكانة اللازمة لقلب النظام السياسي رأسًا على عقب، وتهديده بتشكيل حزب ثالث لا قيمة له. فرغم كل ثرواته، لم يستطع حتى أن يُنتخب قاضيا يدعمه ترامب بولاية ويسكونسن في أبريل\ نيسان الماضي.
وعوضًا من أن يخرج الرجلان من شجارهما خاسرين- كما قد يظن الكثيرون- فقد خرج كل منهما سليمًا. فقد كان ترامب سعيدًا بأن يكون ماسك، كبش فداء له في عملية التدمير غير الشعبية للوكالات الأمريكية الحيوية. وكان ماسك بدوره سعيدًا بالحصول على فرصة لإبعاد البيروقراطيين الذين كانوا يحاولون فرض رقابة على أعماله. ولا تقارن التداعيات المحدودة والقصيرة الأمد لعداء ماسك لترامب بالعواقب المستمرة لتعاونهما.
يشير سيغل في ختام مقاله إلى أن دهاء ترامب العاطفي هو ما مكّنه لعقود من التلاعب بالإعلام، وكما أظهرت الضجة المُستمرة حول انفصاله عن ماسك، فإنّ موهبة ترامب الكبرى تكمن في اختلاق الخداع لإخفاء حقيقة أفعاله، وتكمن في قدرته على جذب الانتباه؛ وهذا ما يُضفي هذا الزخم القاتل على كل مشهد يُخرجه ترامب. فكلما صوّر الإعلام بوعيٍ وحشية ترامب في لوس أنجلوس، ازدادت حماسة أتباعه لفرضه لـ “القانون والنظام”. ويقول سيغل في نهاية المطاف إن ما يحدث في أمريكا اليوم بات بمثابة تراجيديا يونانية؛ فكلّ حركةٍ من حركات السعي نحو الحرية، صارت بدورها خطوة في الاتجاه المضاد تمامًا.
[[1]]https://www.newstatesman.com/world/americas/north-america/us/2025/06/los-angeles-donald-trump-and-moronic-inferno



