في كتابها المنشور حديثًا باللغة الانجليزية عن دار بلومزبري للنشر تحت عنوان “How the World Made the West A 4,000-Year History” «كيف صنع العالمُ الغرب: أربعة آلاف عام من التاريخ » (لندن، 2024) تحاجج المؤرخة وعالمة الآثار البريطانية جوزفين كوين بأن السردية التاريخية السائدة في الغرب التي تقول بأن الأخير بُني على أفكار وقيم اليونان القديمة وروما الكلاسيكيتين، التي اختفت من أوروبا خلال الحقبة التي تسمى بـ”العصور المظلمة” بعد أن أعيد اكتشافها في عصر النهضة غير صحيحة، وتؤكد بأن ثمة الكثير من التاريخ المشترك بين الغرب وباقي العالم قد ضاع ونُسي بسبب مفهوم “الحضارات” المنعزلة عن بعضها البعض الذي تشكل في العصر الفيكتوري [[1]].
يستكشف الكتاب كيف صنع العالم الغرب كما نعرفه اليوم ويقدم رواية جديدة من خلال تتبع آلاف السنين من اللقاءات والتبادلات العالمية التي ساهمت في بناء ما يسمى الآن بالغرب، بدءًا من اختراع الأبجدية في مصر، وحتى وصول الأرقام الهندية إلى أوروبا عبر العالم العربي، وتوضح كوين أن النظر إلى المجتمعات وكأنها منعزلة عن بعضها البعض هو شيء قديم وخاطئ؛ فالتلاقي والتعارف بين الأمم والشعوب، وليس المفهوم المنعزل لتشكل كل حضارة، هو ما يدفع حقيقًة سيرورة التغير والتطور التاريخي.
لم تكن “الحضارة الغربية” لتوجد بحسب كوين لولا التأثيرات الإسلامية والأفريقية والهندية والصينية. ولفهم هذا، تعيدنا المؤلفة في الزمن إلى الوراء، بدءًا من ميناء جبيل الصاخب في لبنان في حوالي عام 2000 قبل الميلاد، في منتصف العصر البرونزي، الذي “افتتح حقبة جديدة من التبادل التجاري والثقافي المنتظم والممتد عبر مسافات بعيدة. وتشير المؤلفة إلى أن تقنيات التأريخ بالكربون المطبقة على الاكتشافات الأثرية الحديثة توفر أدلة دامغة بالفعل حول حالة “العولمة” التي شهدها البحر الأبيض المتوسط قبل 4000 سنة. ومع مثل هذه التجارة والسفر المتواصلين فقد حدث بطبيعة الحال اختلاط ثقافي. [[2]]
تشير كوين إلى أن الثقافات والحضارات المتمايزة في الجزر اليونانية في البحر المتوسط كانت في البداية مجرد أسماء متنافسة لنفس ثقافة بحر إيجه في العصر البرونزي ولكن من وجهات نظر مختلفة.” وتوضح كذلك أن “ثقافة بحر إيجه” هذه لم تكن “حضارة بحر إيجه واحدة” بل كانت تتألف من الكثير من المجموعات السكانية الصغيرة التي تتنافس وتتبادل الأفكار. وهو ما يفتح الباب لطرح التساؤل: أليس هذا صحيحا بالنسبة لكل “ثقافة” أو “حضارة” ممتدة؟
تشير كوين إلى أن الثقافة أيضًا لا تُخلق من العدم أبدًا، بل تنمو من تأثير أوسع. وتوضح على سبيل المثال أن إلياذة هوميروس بها أصداء لملاحم سابقة، وتقول بأن ليس ثمة شك في أن الأعمال المبكرة للأدب اليوناني تحتفظ بآثار لقاءات مع لغات أخرى وعوالم أكبر. ولعل إحدى أهم الميزات في هذا الكتاب أنه يعد تحديًا للشوفينية والعنصرية الغربية الحديثة.
نشير ختامًا إلى أن المؤلفة جوزفين كوين هي مؤرخة وعالمة آثار بريطانية، تخصصت في التاريخ اليوناني والروماني والفينيقي، وتعمل أستاذة للتاريخ القديم في كلية ورسستر بجامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، ولها عدة مؤلفات منشورة سابقة من بينها “الغرب الهيليني: إعادة التفكير في البحر المتوسط القديم” (2013)، و”في البحث عن الفينقيين” (2017).
[[1]]https://www.bloomsbury.com/uk/how-the-world-made-the-west-9781526605184/
[[2]]https://www.theguardian.com/books/2024/feb/28/how-the-world-made-the-west-by-josephine-quinn-review-rethinking-civilisation



