المقالان السابقان في سلسلة “مجاهدات في التجديد الديني“:
ما الإسلام؟
نزول الإسلام في القرن 21م
يقصد الكثير من المسلمين اليوم بالشريعة الأحكام والتشريعات الفقهية الإسلامية المنصوص عليها في القرآن والسنّة، أو المدونة في كتب الفقه، والتي تُسْتَقى أو تبنى على أدلة أصولية متنوعة من كتاب وسنة وقياس… إلخ، وهي تقوم مقام القوانين عمليا. وتهم هذه الأحكام قضايا الحياة المختلفة من اجتماع واقتصاد وسياسة… والشريعة انطلاقا من هذا التعريف الدارج على كل لسان – اليوم – تنقسم إلى قسمين: شريعة نصية أو حدودٌ، نَصَّ عليها الوحي كتابا وسنّة؛ وشريعة اجتهادية استنبطها الفقهاء بإعمال أدوات الاجتهاد المختلفة من قياس ومصلحة.. ولها نفس شرعية وحرمة الشريعة النصية.
إن المشكلة التي تعاني منها الشريعة الإسلامية بهذا المعنى، والتي جاءتها من باب التاريخ هي مشكلة التجاوز، فكل أحكامها التي جاءت في تنظيم الجماعة والعقوبات والاقتصاد…، أمسى كثير منها غير موجود في الواقع، وبعض من هذه الأحكام غير ممكن التحقق أصلا.
ولا يخفى أن هذه الظاهرة أدخلت المؤمنين في حالة حيرة شديدة، فإذا كانت هذه الشريعة من الواجبات الدينية، خيرٌ كلها، عدلٌ كلها، ورحمةٌ كلها كما قال ابن القيم الجوزية، فلازم امتثالها، وبالتالي وجب السعي لإقامتها، وإذا لم تكن كذلك أي ليست بواجبة، فما هو التأويل والفهم الذي يسمح لنا بالقول بعدم الوجوب؟ وكيف لنا أن نخرجها أو بعض مضامينها من حقل الثوابت الدينية في التصور الإسلامي إلى مجال المتغيرات بحسب الأحوال والزمان؟
إن الكثير من التمزقات الوجدانية والمذهبية التي يعاني منها شباب المسلمين اليوم، ترجع لهذه الحيرة، والانقسام بين تيار يرى في الشريعة فقهاً وأحكاماً متعالية على الزمان، لا يلحقها التغير، وهي صالحة لكل زمان ومكان، ولا خيار أمام المؤمنين إلا تطبيقها واحترامها إذا أرادوا أن تستقيم لهم الدنيا والآخرة، وبين تيار آخر يرى في الشريعة وجها من وجوه التاريخ يعرض لها ما يعرض له من التبدل والتغير..، وتبعا لذلك تعرضت بعض جملها وأحكامها للنسخ في الماضي وعن طريق فقهاء الإسلام وأعلامه، والكل يرجع في هذا السياق لفقه عمر رضي الله عنه ويستدل باجتهاداته الكثيرة التي راجع فيها أحكاما قطعية وأهم هذه الأحكام التي راجعها الفاروق عمر (ض): فرض صلاة التراويح جماعة بعدما كان الناس يصلونها فرادى؛ منع المؤلفة قلوبهم من أموال الصدقة؛ المنع من تقسيم أرض السواد بين الفاتحين؛ وقف تطبيق حد السرقة؛ استثناء نصارى بني تغلب من الجزية..
كما تعرضت بعض جمل الشريعة – أيضا – للنسخ في الحاضر بالقوانين الوضعية الحديثة.
إن هذه المعضلة لا يمكن الإحاطة بها في مقالة، ولا كتاب من الكتب بالنظر إلى تعقدها وتشعبها وامتدادها، ولكننا نستطيع في هذه العجالة التنبيه إلى الأصيل في مفهوم الشريعة، الذي قد يساهم ويساعد على تجاوز الحيرة التي يعانيها المؤمنون مع هذا الموضوع.
بالعودة إلى القرآن الكريم، لم ترد لفظة الشريعة في القرآن إلا مرة واحدة في سورة الجاثية: قال تعالى: «ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون» (الجاثية، 17).
ووردت بعض اشتقاقاتها في سورتين أخرَيتين هما الشورى والمائدة: ففي سورة الشورى، قال تعالى: «شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب». (الشورى، 11). وفي سورة المائدة، قال تعالى: «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة». (المائدة، 50).
فإذا، ماذا كان يفهم المتقدمون من لفظ الشريعة واشتقاقاتها في الزمن الأول؟ هل كانوا يقصدون بها أحكام الفقه أم أنهم كانوا يقصدون بها أشياء أخرى تمت الغفلة عنها؟ هل بقي مفهوم الشريعة مع التطور الثقافي والتاريخي الذي عرفه المسلمون محافظا على نفس المعنى الأول أم زاغ عنه؟ وللجواب عن هذه الأسئلة وفي حدود المتاح لنا في هذه المقالة سنرجع إلى بعض المُفسرين المتقدمين والمتأخرين، بالرغم من الصعوبات التي تطرحها أمامنا هذه العودة بسبب قلَّة المصادر الثقافية للمائة الأولى للهجرة.
فعلى سبيل المثال فسر مقاتل بن سليمان (ت. 150هـ) -وهو من علماء التفسير الأوائل- الشريعة في قوله تعالى «ثم جعلناك على شريعة من الأمر» بـقوله: «بيِّنة من الأمر، يعني الإسلام». فالشريعة لدى مقاتل تعني الإسلام.
وفسَّر – أيضا – شِرعة في قوله تعالى: «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا»، بقوله: بالسنّة، والطريق، والسبيل المخالف لسبيل أهل الكتاب. فإذا الشرعة أي السُنّة المخالفة لِسُنَّة أهل الكتاب.
ومن المدلولات الأخرى للشريعة التي ترد في نصوص وآثار المتقدمين: معنى الخُلق، والفضائل..، من ذلك قول أحدهم «إن لله مائة وسبع عشرة شريعة، من وافاه بخلق منها دخل الجنَّة» (مولى عثمان بن عفان)، والآثار في هذا المعنى كثيرة، فقد روت كتب الفضائل مجموعة من الأحاديث والآثار التي تذهب في هذا الاتجاه، وتؤكد على أن الشريعة هي خلقٌ أو مجموعة أخلاق.
كما أُطلقت لفظة الشريعة أيضا على العقيدة، فعلى سبيل المثال ألَّف أبو بكر محمد بن الحسن الآجري (ت. 360هـ) كتابا ضخما سماه «الشريعة»، تناول فيه قضايا العقيدة بالدرجة الأولى..
وهكذا، فالشريعة لدى المتقدمين في الأصل ينصرف معناها إلى ثلاث دلالات كبرى: الإسلام، بحيث كانت تستعمل الشريعة للدلالة على طريق الإسلام وأمره المختلف عن الشرائع الأخرى؛ والخلق والفضائل، بحيث كل خلق من الأخلاق هو شريعة…؛ والعقيدة الإسلامية. ومن ثمّ، وبناء على هذه الدلالات، فالشريعة في مفهوم المتقدمين هي لفظ مرادف لمعنى الإسلام، ولم يكن هؤلاء يقصدون بها شيء أو مكونا دون بقية المكونات..، فهي في نظرهم العقيدة والعبادة والأخلاق والفقه.
بعد قرون، وتحولات كثيرة، أمسى مفهوم الشريعة بالدرجة الأولى ينصرف إلى معنى الفقه، ويقتصر عليه، فعلى سبيل المثال كتب الشوكاني (ت. 1250هـ) في شرح الآية السالفة الذكر: والمراد بالشريعة ما شرعه الله لعباده من الدين (فتح القدير)، وكتب غيره من المفسرين الذين جاؤوا بعده ما يشبه هذا الكلام. ومعنى ما شرعه أي ما ألزم به الباري تعالى المسلمين من الأحكام.
إن المأزق الذي أوقعنا فيه اختزال المتأخرين لمفهوم الشريعة فيما هو فقهي تشريعي أو على الأصح المأزق الذي أوقعنا فيه تقليدنا للمتقدمين مأزق خطير، ويمكن تمثيله في الآتي: إن تبدل الزمان وتغير الأحوال الذي أثَّر على الشريعة، وجعل الكثير من أحكامها موضع اجتهاد، وغير ممكنة التطبيق.. في الفترة المعاصرة، جعل عموم المسلمين يظهرون وكأنهم بدون شريعة، أو ابتعدوا عنها، أو كفروا بها… وأنهم عندما يتحدثون في الشريعة وأحكامها لا يجدون سوى تلك الأمثلة المنقرضة أو المتعذر تطبيقها لأسباب مختلفة..، ومن ثم فالذي يتحدث اليوم في الشريعة وعن الشريعة، لا يقصد بالأساس العقيدة كما فعل الآجري، ولا يقصد الأخلاق كما كان يقصد المتقدمون، ولا يقصد كُليَّة الإسلام.. بل كل مقصوده مجموعة أحكام فقهية.. معدودة ومحدودة.
إن إخراج وجدان المسلمين من هذا المأزق لن يتأتى إلا بالعودة إلى المفهوم الشمولي للشريعة، وخاصة بعدها الأخلاقي، وتصحيح تصور المسلمين والشباب خاصة حولها.
وفي هذا السياق، إذا كان الحديث عن الشريعة كعقيدة وعبادات واضح ولا يحتاج منا إلى مزيد بيان أو تفصيل، فإن الشريعة كأخلاق لا زالت غير واضحة بما يكفي، فكيف يمكن إلحاق الأخلاق بمفهوم الشريعة كما كان الحال مع المتقدمين؟
وجوابا عن هذا السؤال نقول: إن الشريعة الإسلامية ليست أحكاما فقهية فقط كما انتهى إلى ذلك التعريف المتداول اليوم، بل هي بالإضافة إلى ذلك أحكام ومطالب أخلاقية، أو بعبارة أخرى هي شريعة أخلاقية، ممتدة وواسعة امتداد نشاط الإنسان وفعاليته. ولا يخفى أن هذا الجانب ضامر في مفهوم الشريعة، وتمت التغطية عليه بالمعنى الفقهي، حيث أمسى الذي يلتزم الأخلاق، وينهج نهج التخلق، وعجزَ لسبب من الأسباب عن بعض الفقه، يبدو وكأنه خارج عن الشريعة، والعكس صحيح، الذي يأتي أحكام الفقه ويتوسع فيها، ولا يهتم بالأحكام الأخلاقية يبدو وكأنه ملتزم بالشريعة، مستقيم الحال والدين، وهذا أمر غير سليم، واختلال في الميزان والمعيار في التصور الإسلامي الأصيل.
وفيما يلي طائفة من الأحكام الأخلاقية والمطالب القرآنية الكلية، التي تدخل في باب الشريعة وتعتبر من صميمها، غير أنها مهملة في الخطاب والممارسة ولا تشكل أوليات، من ذلك أخلاق العفو والعدل والإحسان والوفاء والبر والصدق:
– ففي العفو: قال تعالى: «وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم» (البقرة، 235).
وقال أيضا: «وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم» (التغابن، 14).
– وفي العدل والإحسان: قال تعالى: «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون». (النحل، 90)
– وفي الوفاء: قال تعالى: «وأوفوا بعهد الله إذا عهدتم، ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها» (النحل، 91).
– وفي الكرامة: قال تعالى: «ولقد كرمنا بني آدم وحملناه في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا» (الإسراء، 70).
– وفي البر: قال تعالى: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعانوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب» (المائدة،3).
– وفي الصدق: قال تعالى: قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (التوبة، 119). وقال أيضا: «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلّوا تبديلا» (الأحزاب، 23، 24).
إن هذه الشريعة -أعني الشريعة الأخلاقية- من حيث وصفها، وورودها في القرآن وفي السنّة هي الثابت الذي يعلو على الزمان، هي المعيار الذي يُعَيَّر به غيره، بخلاف الشريعة الفقهية، وهي أيضا تتنزل وتطبق بحسب ما يطيقه الزمان وبحسب الإمكانات والظروف، فالعدل كقيمة أخلاقية في القرن الأول من حيث تحققاته لدى المتقدمين ليس بالضرورة هو نفسه لدى المتأخرين، بمعنى أن العدل كقيمة شرعية وقرآنية مفتوحة ودائما على أشكال من التحقق أكثر تقدما من الماضي، فهل يعقل أن يبقى العدل أسير معانٍ ونمطٍ اجتماعي وإنتاجي بدوي وقروسطوي؟، بل لا بد أن يتطور مفهومه وتتطور أحكامه التطبيقية بحسب تطور البنى الاجتماعية والاقتصادية، ففقه العدل من منظور القرآن والذي يجب أن يسود اليوم مختلف تماما عن فقه العدل في العصر الوسيط. والذي يتيح للمسلمين ملاحظة هذه الفروق، ويتيح لهم تجديد الفقه هو مفهوم الشريعة باعتبارها خلقا، وليست الشريعة باعتبارها رسوما وفقها بالمعنى الضيق للفقه.
إن الشريعة باعتبارها منظومة أخلاقية وللأسف الشديد تم تناسيها، وغفل عنها المسلمون غفلة عظيمة، فتجد بعض الناس – اليوم – حريصين حرصا استثنائيا على إقامة حد من الحدود، وقد يبذلون في سبيل ذلك حياتهم، لكنهم لا يلقون بالا لتقصيرهم في أعمالهم، وضعف الإحسان فيها، ولا يؤنبهم ضميرهم في إهانة شخص أو نقض عهد أو خرق لقانون… إلخ.
بل الأهم من هذا كلِّه أن هذه الشريعة الأخلاقية التي جاءت بها الديانة المحمدية السمحة تقوم مرجعية لكل أحكام وفقهيات المعاملات سواء تلك التي نص عليها الكتاب أو لم ينص، فالحدود الشرعية والقِصاص.. وما يلحق بها من أحكام وفقهيات جاءت لتحقيق العدل والكرامة الإنسانية بالدرجة الأولى.
وقد يحصل في بعض الظروف واللّحظات أن تناقض الشريعة بمعناها الفقهي الشريعة الأخلاقية، فيجب التدخل لتصحيح الأولى في ضوء ثوابت الثانية، ولدينا في تاريخنا مجموعة من الأمثلة في هذا الباب، يحسن التذكير ببعضها.
إن عمر (ض) وهو يجتهد في حد السرقة في عام الرمادة، ويمتنع من قطع يد السراق ويعوض ذلك بأحكام أخرى كان يطلب العدل بالأساس، فتطبيق الحد في نظره مخالف لمقتضى العدالة بحسب الظرف، فالذي يحدد العدالة في نظره ليس النص وباستقلال عن الظرف، بل الظرف بالدرجة الأولى.
ومن ناحية أخرى – ومثال ثان – اتسعت الأقوال والأحكام في الشريعة الإسلامية مع حلول القرن 19م بالمغرب اتساعا أمست معه الشريعة تضم الحكم ونقيضه في المسألة الواحدة بسبب تعدد الأقوال والاجتهادات، وزاد من تدهورها فساد القضاة والوكلاء والعدول، حتى أمسى بعض الناس ينفي العدل عن الشريعة، وبدل دعوته “أنا بالله والشرع” أمسى يدعو “أنا بالله والمخزن وأما الشرع فإنه تلاوي”، أي أشكال من الالتفاف على الحقوق.
ونظرا لهذه الوضعية البئيسة التي وصلتها الشريعة والعدالة في هذا العهد عمل السلطان سيدي محمد بن عبد الله (ت. 1790م) على إطلاق مشروعه في الإصلاح القضائي، الذي كان يهدف بالدرجة الأولى إلى إعادة الانسجام بين الشريعة كفقه والشريعة كقيمة أخلاقية تروم تحقيق العدالة، وقد حقق في هذا الباب نتائج طيبة.
وإجمالا؛ إن النزاع حول الشريعة بين المؤمنين اليوم هو في الأصل نزاع مرتبط بالمفهوم، فأغلب الجانحين للتشدد اليوم يهملون الأبعاد الأخلاقية في مفهوم الشريعة، ويلتصقون ببعدها الفقهي الذي هو بالتعريف بعد تاريخي ويدور مع الظرف ويتأثر به كما جاء لدى أغلب الأصوليين، فما أحوجنا اليوم – والحالة هاته – إلى بعث المعاني الأخلاقية للشريعة، وإشاعتها، وإعادة الاعتبار لها في الحياة، فالمفهوم الأخلاقي للشريعة يجعل من الفقه إنتاجا ذاتيا ومسؤولية فردية وفي كل الأوضاع، وليس صناعة خاصة بفئة من الناس، فبالمعنى الأخلاقي كُلُكُم فقيه، وكلكم مسؤول عن فقهه.




buy finpecia online 3 mg were subcutaneously implanted into the dorsal flank of mice 48
Наша команда искусных мастеров предоставлена предъявить вам новаторские методы, которые не только снабдят прочную оборону от холодных воздействий, но и дарят вашему домашнему пространству элегантный вид.
Мы работаем с последовательными строительными материалами, ассигнуруя прочный запас работы и отличные эффекты. Утепление внешнего слоя – это не только экономия на отоплении, но и забота о экосистеме. Сберегательные технические средства, каковые мы производим, способствуют не только вашему, но и поддержанию природных богатств.
Самое центральное: Утепление фасада цена у нас стартует всего от 1250 рублей за м²! Это бюджетное решение, которое преобразит ваш домашний уголок в реальный теплый уголок с минимальными издержками.
Наши проекты – это не просто утепление, это разработка поля, в где каждый компонент отражает ваш индивидуальный моду. Мы рассмотрим все ваши запросы, чтобы осуществить ваш дом еще более удобным и привлекательным.
Подробнее на http://www.ppu-prof.ru
Не откладывайте труды о своем квартире на потом! Обращайтесь к исполнителям, и мы сделаем ваш дворец не только тепличным, но и по последней моде. Заинтересовались? Подробнее о наших проектах вы можете узнать на нашем сайте. Добро пожаловать в мир комфорта и качественной работы.