في مقاله المنشور حديثًا في مجلة «ذا نيشن» الأمريكية تحت عنوان “Are Europe and Russia Slow-Walking to World War III?” (هل تسير أوروبا وروسيا ببطء نحو حرب عالمية ثالثة؟) [[1]]، يقول الكاتب ستيفن كراولي إن تصريح بوتين الأخير بشأن احتمالية استخدام روسيا “لجميع الأسلحة المتاحة” يُعد أوضح حديث عن حرب نووية يصدر عن قوة عظمى منذ أكثر من 40 عامًا. ويتساءل كراولي: كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟
قبل اندلاع الحرب، كان الاقتصاد الروسي يعاني من تراجع مستويات المعيشة على مدى عقد من الزمان أو أكثر. ولكن، خلافًا للتوقعات، شهد الاقتصاد الروسي ازدهارًا لعدة سنوات بفضل ما يُعرف بـ”الكينزية العسكرية”. غير أن خبراء الاقتصاد المطلعين يجادلون الآن بأن الاقتصاد الروسي “يتداعى”؛ إذ يؤدي نقص الأيدي العاملة الناجم عن الحرب إلى تأجيج التضخم وفرض أسعار فائدة باهظة، مما يدفع بدوره الصناعات المدنية نحو الانهيار. ولن يمضي وقت طويل قبل أن تصل روسيا إلى طريق مسدود، فتجد نفسها عاجزة عن مواصلة تمويل النفقات الحربية، والوفاء بالالتزامات الاجتماعية الأساسية، والحفاظ على الاستقرار المالي.
وقد يقرر بوتين فرض تعبئة عسكرية شاملة، ولكن، كما صرّح سيرغي سوبيانين، عمدة موسكو، بصراحة تامة، فإن التحول إلى اقتصاد الحرب من شأنه أن “يقضي على البلاد بأسرها”. وفي حديث صريح مع نظرائه من خبراء الاقتصاد، قال أندريه كليباتش، كبير الاقتصاديين في ثاني أكبر بنك روسي، والمرتبط بالكرملين: “أنا شبه متأكد من أننا سنواجه أزمة اجتماعية… وسيتفاقم تخلفنا وما يترتب على ذلك من عواقب”. (وقد أُقيل كليباتش من منصبه بعد وقت قصير من تسريب تصريحاته).
ومع ذلك، فإن أوروبا لا تتسلح لمواجهة عدو ضعيف يعاني من أزمة اجتماعية. فقد زاد الحلفاء الأوروبيون إنفاقهم الدفاعي بنسبة 20 في المائة في عام 2025 مقارنة بعام 2024، وهي أكبر زيادة سنوية منذ عام 1953. وتقود ألمانيا هذا المسار، متجاوزةً بذلك محظورين سادا منذ فترة ما بعد الحرب: نزع السلاح والالتزام الصارم بالانضباط المالي. ومن المقرر أن يعادل الإنفاق العسكري الألماني في عام 2027 مجموع إنفاق فرنسا وبريطانيا معًا، في خطوة تمهد لبناء أكبر قوة عسكرية تقليدية في القارة.
ويبدو أن هذا الحشد العسكري لا علاقة له تُذكر بأي تهديد واقعي من روسيا، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بنزيف الوظائف في ألمانيا جراء المنافسة الصينية؛ إذ تخطط شركة “فولكس فاجن” وحدها لتسريح 100 ألف عامل. وكما جاء في عنوان لصحيفة “وول ستريت جورنال”: “ألمانيا تعيد تشكيل نفسها كمصنع للأسلحة”. حتى حزب الخضر الألماني، الذي طالما تبنى نهجًا سلميًا وعارض حلف الناتو، انضم الآن إلى الأصوات المؤيدة للعسكرة، حيث تروج وثيقة حزبية حديثة لفوائد “الابتكار الاقتصادي من خلال الدفاع”.
ولا تعدو فكرة تحول العسكرة إلى “معجزة اقتصادية” ألمانية جديدة كونها مجرد وهم. إذ سيؤدي الإنفاق العسكري حتمًا إلى سحب الأموال المخصصة للرعاية الاجتماعية، وذلك في وقت يثقل فيه فقدان الوظائف وركود الاقتصاد كاهل البلاد بالفعل. وهذا بدوره سيصب في مصلحة اليمين المتطرف، مثل حزب “البديل من أجل ألمانيا” (Alternative für Deutschland).
وفي ختام مقاله، يشدد كراولي على أنه لا بد أن تنتهي الحرب الروسية في أوكرانيا، التي دخلت الآن عامها الخامس. ويحذر من اندلاع حرب أوسع نطاقًا قد تكون عواقبها وخيمة للغاية. ويؤكد للقادة الأوروبيين أنه يتعين عليهم تجنب السير على نهج روسيا في تضخيم خطر الحرب لصرف الانتباه عن التحديات والانقسامات الداخلية؛ فعوضًا عن ذلك، ينبغي عليهم أن يستندوا إلى القيم التي تأسس عليها الاتحاد الأوروبي في أعقاب حربين عالميتين، وهي: إنهاء النزعات القومية والعسكرة، وبناء دول قوية تعتني بمواطنيها.
[[1]]https://www.thenation.com/article/world/russia-nato-europe-nuclear-war-militarization/



